أعادت الصحافة العربية والمصرية مؤخرًا إشعال الجدل السياسي حول المؤتمر السنوي السادس للحزب الوطني الديمقراطي، المقرر انعقاده على مدار ثلاثة أيام من 31 أكتوبر حتى 2 نوفمبر. ويبدو أن الحكومة تسعى لتشتيت الانتباه عن القضايا السياسية من خلال تسريب مقترحات اقتصادية مثيرة للجدل، من بينها خطط لخصخصة 40 شركة من القطاع العام، وإحياء مشروع «الأسهم الشعبية» الذي طُرح العام الماضي، إلى جانب وعود أخرى.

وللسنة السادسة على التوالي، تعاملت الصحف المحلية والإقليمية، بل والدولية، مع المؤتمر السنوي للحزب الوطني على أنه مادة غنية للنقاش العام تستهوي قطاعات واسعة من الجمهور.

وقد ظل السيد جمال مبارك الشخصية المحورية لهذا المؤتمر، حيث ينال إشادة مفرطة من الصحافة الرسمية، مقابل انتقادات لاذعة من الصحافة المستقلة. والسبب واضح: يتم التمهيد له بقوة، وإن كان «بشكل غير مباشر»، باعتباره الوريث المحتمل الوحيد للرئيس حسني مبارك.

وشهدت الصحافة المستقلة هذا العام نبرة نقدية أكثر حدة، وبلغت انتقاداتها لجمال مبارك ذروتها طوال شهر أكتوبر، وتحديدًا قبيل افتتاح المؤتمر، الذي افتتحه الرئيس مبارك بنفسه في 31 من الشهر.

وغالبًا ما يتصدر جمال اهتمام كل من الصحافة الرسمية والمستقلة، فبينما تبرز الأولى إنجازاته، تركز الثانية على إخفاقات حزبه. ويخضع الحزب الوطني، الذي يحكم البلاد منذ ما يقرب من ثلاثة عقود، لرقابة شديدة بسبب هذا الإرث الطويل في الحكم.

وتعرضت الحكومة هذا العام لضغوط شديدة، دفعتها إلى التأكيد على أن الحزب لن يُعلن عن مرشحه للانتخابات الرئاسية لعام 2011 خلال هذا المؤتمر. وتبدو هذه الخطوة «الحذرة» محاولة لامتصاص حدة الانتقادات المتصاعدة في الفضاء العام.

كل شيء على ما يرام

شارك الدكتور أحمد نظيف، رئيس الوزراء، في النقاش الدائر، وذلك خلال مقابلة صحفية أُجريت معه على هامش مؤتمر «يورو موني» الشهر الماضي. وقد نفى ما تردد عن نية الحزب إعلان مرشحه الرئاسي خلال المؤتمر، قائلاً: «لا يزال الوقت مبكرًا».

وانتهز نظيف الفرصة لإرسال رسالة اقتصادية تهدف إلى تهدئة المخاوف المرتبطة بمسألة الخلافة. وقال: «رسالتي للمستثمرين أن الاستقرار كان دائمًا مسألة محورية في هذا البلد، وسيستمر هذا الاستقرار، وستُنقل السلطة بشكل دستوري. لا يوجد ما يمكن التنبؤ به أكثر من ذلك في هذه المسألة».

وقد كرر عدد من المسؤولين، بينهم وزراء وشخصيات سياسية بارزة مثل الدكتور مفيد شهاب والسيد صفوت الشريف، هذه الرسالة في مناسبات مختلفة، كما ورد ذلك مرارًا في تقارير صحيفة «الأخبار» الرسمية.

من جانبها، أوضحت الولايات المتحدة موقفها من خلال السفيرة الأمريكية لدى القاهرة، السيدة مارجريت سكوبى، خلال جلسة حوارية عُقدت بمقر إقامتها، حضرها عدد من الصحفيين المدعوين. ونقلت صحيفة «الدستور» المستقلة عنها قولها: «الولايات المتحدة تصرّ على أن يكون القرار في هذه المسألة قرارًا مصريًا مائة في المائة».

وبحسب «الدستور» أيضًا، فقد أضافت سكوبى: «الولايات المتحدة مستعدة، كما كانت في السابق، لتقديم الدعم الفني والتدريبى فيما يخص الانتخابات، إذا ما طُلب منها ذلك».

الصراخ أيضًا مسموح

لم تنجح سيل التصريحات الرسمية في تهدئة المعارضة أو تقليص حدة الجدل، خاصة في مراحله الأولى. فقد تابعت «الجزيرة.نت»، وهي بوابة إخبارية عربية مستقلة، تحركات وتحالفات المعارضة التي بدأت تتشكل ردًا على هذه القضية السياسية المشحونة. وذكرت المنصة تشكيل تحالف جديد تحت اسم «الحملة الوطنية ضد التوريث».

ويقود هذه الحملة السيد أيمن نور، زعيم حزب الغد، والذي أُفرج عنه مؤخرًا من السجن. وقد انضمت إلى التحالف أحزاب وحركات سياسية لا تشارك نور بالضرورة رؤيته، مثل جماعة الإخوان المسلمين، وحزب العمل، وحزب الكرامة، وحركة كفاية، وآخرين، بالإضافة إلى نشطاء سياسيين وحقوقيين.

لكن المحلل السياسي ضياء رشوان انتقد هذا التحالف في تصريحات لـ«الجزيرة.نت»، قائلًا: «من المتوقع أن يفشل هذا التحالف للأسباب نفسها التي أدت إلى انهيار التحالفات السابقة، وهي غياب برنامج واضح أو آليات للتنفيذ. كما أن أيمن نور لا يُمثل شخصية توافقية قادرة على توحيد القوى السياسية، إذ إنه فاعل أساسي في اللعبة السياسية».

وفي تحرك موازٍ، أعلنت حركة 6 أبريل المعارضة – وهي مبادرة شبابية عبر الإنترنت – عن عقد مؤتمر وطني خاص بها يتزامن مع مؤتمر الحزب الوطني، ويستمر هو الآخر ثلاثة أيام. وبحسب صحيفة «اليوم السابع» المصرية المستقلة، فقد حمل المؤتمر البديل عنوان «فئة المتسللين»، ووعد بمناقشة كافة القضايا الجدلية المرتبطة بالتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مصر.

التلويح بالورقة الاقتصادية

أثبتت حكومة الحزب الوطني قدرتها على البقاء في الحكم لنحو ثلاثة عقود، رغم استياء قطاعات واسعة من المصريين. فهي تعرف ما تقوله ومتى تقوله. وبعد تعاملها الحذر مع قضية خلافة جمال، خطت خطوة أخرى تهدف إلى إعادة تشكيل صورتها وتحويل دفة الانتقادات نحو قضايا اقتصادية.

وقد شارك جمال بنفسه في هذه الاستراتيجية. ففي لقاء تحضيري للمؤتمر، نقلت صحيفة «الأخبار» الرسمية عنه قوله: «أوراق المؤتمر السياسية تتناول مجموعة واسعة من القضايا التي تهم المواطنين، مثل التشغيل، والاستثمار، والزراعة، والري، والإسكان، والتعليم، والصحة، والطاقة، والتنمية، والإدمان بين الشباب، وتمكين المرأة».

كما سرب مصدر كبير في الحزب الوطني خبرًا لصحيفة «اليوم السابع»، كشف فيه أن كبار قادة الحزب أوعزوا إلى وزارة الاستثمار بإعداد دراسة جديدة على وجه السرعة بشأن مشروع «الأسهم الشعبية». وستتضمن الدراسة الملامح العامة للمشروع وخطة التنفيذ. وأكد المصدر أن إعداد الدراسة سيتم في «سرية تامة»، وستُعرض على لجنة السياسات بالحزب قبيل انعقاد المؤتمر.

وكان قد تم الإعلان عن هذا المشروع في المؤتمر الخامس للحزب قبل عام، لكنه قوبل برفض شعبي كبير بسبب غموضه وافتقاده لخطة تنفيذ واضحة. وقد استهدف المشروع توزيع أسهم شركات مدرجة بالبورصة على المواطنين مجانًا، لكنه لم يُنفذ قط.

وجاء إعلان لافت آخر من وزير الزراعة، السيد أمين أباظة، الذي صرح بنيته عرض خمس مقترحات تتعلق بالسياسات الزراعية الحكومية خلال المؤتمر. وقال أباظة: «ورقة السياسات الزراعية تتضمن خمسة محاور تهدف إلى النهوض بالتنمية الزراعية، وهي: الحوافز المشروطة لصغار الفلاحين، والتكامل بين الإنتاج الزراعي والصناعي، وتنمية الثروة الحيوانية والداجنة، وتحقيق تنمية ريفية متكاملة، وتحسين نظم الري في الأراضي القديمة بوادي ودلتا النيل».

كما تصدر الدكتور محمود محيي الدين، وزير الاستثمار، عناوين الصحف بعد أن عقد اجتماعًا مع اللجنة الاقتصادية للحزب الوطني قبل أسبوعين من المؤتمر. وتناول الاجتماع مشروعًا لخصخصة أربعين شركة عبر الطرح في البورصة، بما يسمح للمواطنين بشراء أسهمها.

ورغم ضيق الوقت، ما حال دون إدراج المشروع في جدول مناقشات المؤتمر، فإن تسريب الخبر كان خطوة محسوبة، أعادت إشعال الجدل حول الخصخصة، وهي قضية خلافية في أي بلد، وخصوصًا في مصر حيث تغيب الشفافية في كثير من الأحيان.

خارطة طريق جديدة… لكنها ضبابية

لا تزال المعارضة ترفع صوتها، لكنها لم تُقنع الشارع العام، والذي يغلب عليه طابع السلبية، بأي رؤية ملموسة — إن وُجدت أصلًا. ومع ذلك، يمكن اعتبار شعور الحكومة بالحاجة إلى تقديم شيء جديد واعتماد أساليب أذكى، إشارة إيجابية في مشهد سياسي يندر فيه الحراك.

وبينما لم تستطع المعارضة إسكات الحكومة، فقد نجحت الحكومة في المقابل في تحويل قدر كبير من الاهتمام الإعلامي بعيدًا عن خصومها عبر تسريبات اقتصادية مدروسة. وقد تبدو هذه الخطوة غير خادعة بالضرورة، لكنها تحمل طابعًا محسوبًا. ومع ذلك، تُظهر التجارب السابقة أن مؤتمرات الحزب الوطني السنوية نادرًا ما تُسفر عن نتائج ملموسة أو دائمة.

وبصرف النظر عن انعقاد المؤتمر، فقد تمكنت مصر من تجاوز الأزمة الاقتصادية العالمية نسبيًا بشكل جيد. فقد نالت إشادة من أطراف دولية ومنظمات عالمية على أدائها الاقتصادي، بعد أن حققت معدل نمو في الناتج المحلي الإجمالي بلغ 4.7%، في وقت كانت اقتصادات عديدة تنكمش. لكن الخطاب السائد في مؤتمر هذا العام لم يتغير كثيرًا، حيث عادت الوجوه نفسها لتتصدر المشهد.

وقد يبدو أن هناك ما يدعو للتفاؤل هذه المرة، إذ تسعى الحكومة إلى استغلال الموجة الاقتصادية «المحظوظة» لرسم صورة أكثر إشراقًا في وسائل الإعلام. ومع ذلك، فإن ما يُعرض في الإعلام في مصر غالبًا ما يبقى في الإعلام. أما المواطنون، الذين يُفترض أن يكونوا أبطال هذا المشهد، فلا يزالون غائبين، يُتحدث عنهم أكثر مما يتحدثون.

وقد نجحت الحكومة في توظيف الأداء الاقتصادي القوي نسبيًا لتعزيز أجندتها السياسية، واستخدمت قضايا خلافية أخرى كعوامل تشتيت. وتؤدي هذه الجهود دور «الوسادة الهوائية» الاقتصادية التي تُخفف من حدة الصدمة المتوقعة من المعارضة. لكن بالنسبة للمصري العادي، لا تتعدى هذه الوسادة كونها كيسًا من الهواء الساخن، لا يحمل أي وعد بمستقبل أفضل.

هذا المقال نشر أولاً بمجلة بيزنس توداى إيجيبت.