عقد بالاثنين الماضي بالقاهرة مؤتمرا اقتصاديا فريدا من نوعه تحت عنوان “مناخ بيئة الاستثمار بمصر”. والتفرد هنا ليس بنوعية المؤتمر فقط بل بالجهة المنظمة له وتميز الحضور الذي تمثل في وزير الاستثمار المصري وسفير الاتحاد الأوروبي ومدير البنك الدولي بالشرق الأوسط وسفراء 15 دولة أوروبية ورؤساء 270 شركة أجنبية ومصرية، إضافة إلى رئيس الجهة المنظمة للمؤتمر وهي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأوروبية ومقرها باريس.
وقبل أن ندخل في تفاصيل أهمية وتفرد المؤتمر دعونا نتعرف أولا على الجهات السابقة التي كانت تقوم بهذا الدور بكثافة. وأولها صندوق النقد الدولي “دكتاتور التنمية” وهي منظمة أنشئت عام 1946 بمجرد انتهاء الحرب العالمية الثانية بهدف أساسي وهو توريث التركة الاستعمارية العالمية من أيدي القارة الأوروبية العجوز إلى الكاوبوي الأمريكي الصاعد نجمه وقتها. وبالفعل تم ذلك وكان أول قراراتها ربط العملات الأوروبية بالدولار الأمريكي، ثم تلى ذلك تدريجيا بسط النفوذ الاستعماري الاقتصادي الجديد بالعالم النامي لصالح الولايات المتحدة في صورة مساعدات مالية تستغل فقر الشعوب فتغرقهم في ديون أكبر.
ويلي ذلك البنك الدولي “مبدع المصطلحات القديمة المتجددة” حيث يحترف العاملون به اختلاق مفردات وعبارات اقتصادية رنانة كلما ساءت سمعة البنك المتخبط استراتيجيا والذي لا تختلف أهدافه عن أهداف توأمه صندوق النقد. والبنك فعلا مشهور بابتداع “الموضة التنموية”. ففي بدايته تعامل بمصطلح “الشرطية” Conditionality لحوالي عقدين فاتهمه البعض بالظلم وعدم سلامة النية في مشاريع التنمية، فتعامل بنفس الاستراتيجية ولكن تحت مسمى جديد وهو “الإصلاح الهيكلي” Structural Adjustment حتى عام 2007 تقريبا. ثم تاب وأناب بعد سلسلة من الفضائح من قمته إلى قاعه فأعلن استراتيجيته الجديدة اسماها “المبادرة” Triggering والتي تدعي أن البنك لن يفرض أي سياسة على أي من الدول النامية. وعلى كل دولة أن تأتي من تلقاء نفسها لتقديم مخططاتها “التي يجب أن تتفق مع سياسة البنك” وهنا نجد أنه حتي المصطلح الأخير هو نسخة متآمرة من المصطلحين السابقين لكن باختيار الشعوب المضطرة.
أما منظمة المعونة الأمريكية كثيفة العمل بمصر “سمسار الكاوبويز” فلا تحتاج الكثير من الكلام حيث أنها من أهم المواضيع المقدسة صحفيا قبل إبريل من كل عام والتي قتلت كتابة حيث يتم التفاوض بين الحكومتين على تفاصيل المعونة في هذا الوقت. لكن يكفي الذكر أن الدرجة العالية من الشرطية التي وصلت لها جعلتها سببا في اختلال الميزان التجاري المصري المثقل بالواردات الأمريكية لمصر المفروضة علينا في صورة معونة “من الشعب الأمريكي” الله يسترهم.
ومن هنا نعود إلى تفرد المؤتمر بعد الصورة القاتمة التي رسمت للمنظمات التنموية الأخرى العاملة بمصر والشرق الأوسط. فالمنظمة الأوروبية الراعية للمؤتمر لم تشأ أن تتدخل منذ إنشائها في قضايا خارج حدود القارة إلا في نطاق شديد المحدودية. أما الآن وبعد إنشاء وحدة خاصة للتعامل مع مشاريع التنمية الاقتصادية بالشرق الأوسط والبداية بمصر والمغرب كمرحلة اختبارية هو في حد ذاته انقلاب في موازين “بورصة التنمية العالمية”. فالسماح والمباركة لتلك المنظمة بالضلوع بدور ما في الشرق الأوسط هو دليل على دخول العالم في مرحلة نفوذ جديدة. وهو شيئ قد يثير بعض القلق والترقب مما يفعله الكبار بالصغار.
أما الشيئ الإيجابي من هذا التحول والذي بدا جليا بالمؤتمر هو جودة الأبحاث العلمية المقدمة وموضوعيتها واستخدام المنظمين للغة جديدة مختلفة تماما عن مكر المنظمات السابقة. فقد استخدم المشاركون لغة صريحة وغير مجاملة في وصف حال الواقع المصري مع عدم التقليل من شأن قدرة الاقتصاد على التصدي للأزمة. ويعد ذلك المؤتمر الأول في سلسلة تهدف لتوفير المناخ الأمثل للاستثمار على أرض مصر بدأت بتقييم شامل بصورة “قطاع عرضي” كتشريح النبات كشف دواخل كل القطاعات والمحاور الاقتصادية بطريقة جديدة أصابت معظم الحاضرين بصمت وعدم مشاركة بالحوار.
ومن هنا يبدو أن الأوروبيون بعد ابتعاد طويل وفشل واضح لكبريات المنظمات التنموية وانكشاف عجز النظام العالمي في شتاء الأزمة، قد قرروا العودة وبقوة إلى مسرح أحداث الشرق الأوسط. ربما يكون من غير الواضح الآن ما هية نواياهم بالضبط، غير أنه وعلى حسب وعد رئيس المنظمة بأن منتصف نوفمبر القادم سيشهد صدور أول تقرير شامل عن المنظمة الأوروبية لتقييم وتحليل الاقتصاد المصري، وحينها ربما تتضح بعضا من النوايا.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.