تناقلت وسائل الإعلام تقرير سيتي جروب عن الاقتصاد المصري بصورة درامية أكبر من اللازم. التقرير في حد ذاته يعد جيدا غير أنه لم يقدم جديدا في تحليل الوضع الاقتصادي الحالي بمصر. لكن اللغة السائدة التي يجب أن تجذب الانتباه إما تفاؤلا أو تشاؤما تظل هي العنصر المحرك لرد فعل القراء الذي تحركه دائما اللغة الإعلامية المستخدمة.
فقد عنونت الصحف قراءتها للتقرير بحبسها داخل زاوية محدودة تتنبأ بأن البطالة ستواصل الارتفاع حتى لو نما الاقتصاد المصري بنسبة 5 بالمئة، وما الجديد في ذلك! لماذا المفاجأة من حقيقة اقتصادية بديهية تحدث كنتيجة ارتباطية تتبع أي أزمة؟ ولماذا التعامل معها بصورة سودوية؟
صحيح أن الصورة ليست ناصعة البياض غير أن الموضوعية في التعامل مع المؤشرات الاقتصادية حسب طبيعتها وعلاقتها بالأزمات يعد عنصرا مهما في نقل الصورة لغير المتخصصين ويساعد كثيرا في توجيه التوقعات المستقبلية.
والمؤشرات الاقتصادية في ارتباطها بالأزمات تنقسم إلى ثلاثة أنواع: سابق ومتزامن ولاحق. والمؤشرات المسماة ب”السابقة” هي التي قد تستخدم للتنبؤ بالمستقبل والتي يمكن تشبيهها بإشارة المرور الصفراء التي تتنبأ بقدوم الإشارة الحمراء. ففي عالم الاقتصاد تعمل تلك المؤشرات بنفس الطريقة إلى حد ما، حيث تعتبر حركة سوق السندات هي الممثل لهذا النوع من التنبؤات طبقا لحساسية المتعاملين بها لحركة الأسواق المالية مع العلم بأنهم ليسو دائما على صواب.
أما المؤشرات “المتزامنة” فهي التي تحدث في نفس وقت وقوع تطور اقتصادي ما، فالإشارة الخضراء في مثال المنظومة المرورية التي تتزامن مع عملية مرور السيارات. وهي نوع من المؤشرات التي تقدم في تزامنها مع الحدث الاقتصادي نوعا من الفهم والمتابعة للظاهرة مثل ارتفاع أو انخفاض معدلات دخول الأفراد.
والنوع الأخير من المؤشرات المسماة ب “اللاحقة” والتي تتبع بديهيا الحدث الاقتصادي يمكن تشبيها ثانية بنفس الإشارة الصفراء ولكن بصورة منعكسة على أنها تابعة للخضراء. وترجع أهمية هذا المؤشر المتأخر في أنه يقر بمنطقية الحدث الاقتصادي وتأكيد الفهم الصحيح لتفاصيل وتطورات وضع ما. وهنا نجد أن البطالة كظاهرة هي أحد أشهر هذه المؤشرات حيث دائما ما تتأخر في ردة الفعل الإيجابية حتى على الأداء الجيد للأسواق.
وهنا يستغرب بشدة عنصر الإحساس بالمفاجئة أو المبالغة في التشاؤم بعد الأزمات الاقتصادية لتأخر تحسن معدلات البطالة. والمعروف دائما أن التسريح في أوقات الكساد والأزمات من قبل الشركات يكون دائما سريعا وربما وقتيا. أما إعادة التوظيف وفتح أبواب التعيينات فتأخذ وقتا أطول كردة فعل على التحسن الاقتصادي ناهيك عن الوقت المستهلك في الدخول في التفاصيل الإجرائية والانتقائية للعمالة.
وعودة لتقرير سيتي جروب عن الاقتصاد المصري، فعلى الرغم من أنه لم يقدم ما قد يدعوا للتفاؤل، غير أن البحث عن نقاط لتضخيم التشاؤم تعللا باستمرار ارتفاع معدلات البطالة يعد في حد ذاته قصورا لفهم آليات الحراك الاقتصادي ودلالات المؤشرات الاقتصادية وارتباطاتها الزمنية.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.