الصحة تاج على رؤس الأصحاء لا يراه غير المرضى. مثل شائع بيننا سمعناه ايام الدراسة وقرأناه في دروس القراءة وتم تكراره حتى الملل ببرامج التليفزيون المصري ونصائح الراديو الحكومي الحجري. ومن هنا يعرف المصريون جيدا أهمية الرياضة وعلاقة ممارستها بالصحة الجيدة أملا في وضع هذا التاج على رؤوسهم التي تدنوها الأبدان الهزيلة.
لكن الفهم ثم الرغبة فالأمل ليسو بهذا القرب من الواقع العام الذي يثبت يوما بعد يوم أن رياضة المصريين الوحيدة المتاحة هي الجري وراء الأتوبيسات أو القفز في المحطات. فالنوادي الرياضية العامة والساحات الشعبية غير قادرة على استيعاب تلك الأعداد الهائلة من فقراء الشباب في كثير منها، أو طاردة لهم في بعض الأحيان بسبب الروتين أو سوء المعاملة أو تأجيرها كصالات أفراح شعبية وكافتريات.
والبديل بديهيا، ماهو غير حكومي كالنوادي الرياضية الشهيرة أو المراكز الصحية المستقلة أو داخل الفنادق. والنوادي الرياضية الخاصة وحتى المغمورة منها تتعدى الاشتراكات فيها الخمسين ألف جنيه هذا إن كان الباب مفتوحا وإلا فعليك وضع اسمك في قائمة انتظار طويلة ربما لسنوات انتظارا لوفاة أحد الأعضاء أطال الله أعمارهم لتتوفر فرصة للاشتراك. أو أن يكون لك قريب أو صديق لديه هذا الامتياز من أجل أن يسمح لك بالدخول يتذكرة يومية بمتوسط 30 جنيه. وهو من الصعب ان تجد تلك العلاقة فالماء أبدا لا يختلط بالزيت.
أما المراكز الصحية جيدة الخدمة فاشتراكاتها تتراوح مابين 300 و800 جنيه بالشهر يتوفر فيها مدرب ومدربة وأخصائي تغذية وأحيانا طبيبا ومعلما للرقص. “إن مصر بلدجميل باستثناء احتيال سائقي التاكسي والتلوث الغير عادي لهذا السبب أنا هنا في الجيم” هذا ما قد تسمعه من بعض العملاء الأجانب للمركز. “انا بحب الورك آوت على الهاوس ميوزيك بس الترانسات بخليها لما اسموك بس” أما هذا فقد تسمعه من إحدى العميلات المصريات التي تحلم بأن تكون موديل وأن تجذب انتباه كل الشباب السهران بنادي بيربل بالزمالك.
أما في المراكز الأخري التي قد يصل الاشتراك فيها إلى مادون المئة جنيه فأحد المشاهد فيها قد يكون كالتالي: متوسط خمسة أفراد على بنش خشبي واحد في إدى الشقق الصغيرة سيئة التهوية يديرها أحد شباب “المنطقة” الذي استطاع أن يحقق بعض التورم العضلي نتيجة لتعاطية محفزات هرمونية فاعتقد أنه “نجم الحتة” ومثلهم الأعلى.
“عاش الوحش، هي دي المجانص ولابلاش” مجموعة المنتظرين لدورهم في مساحة المتر في متر مشجعين صاحب الدور رفعا لروحه المعنوية. أما الحمام في تلك الشقة المسماة بالجيم فهو عبارة ‘ن تعديل طفيف للحمام المنزلي تحول فيه البانيو إلى قسمين للستحمام واقفا بجوار زميلك ولا يفصل بينكما غير ستارة بالية. وأدوات تلك الحمام الصحية (الغير صحية) لا يعيبها سوى أنها تستخدم عشرات وربما مئات المرات يوميا دون رعاية، وربما تجد فوطة جماعية يتشارك الجميع في استخدامها بعد أن شربوا جميعا من نفس زجاجة المياه التي يملأها “الكابتن” صاحب المركز بنفسه تواضعا ودعما للمواهب الشابة.
وهنا نجد أنه من الأفضل ألا يمارس هؤلاء الشباب أي من أنواع الرياضة في ظل هذه الأوضاع الممرضة وخاصة أنه حتى رياضة الجري في الشارع (للذكور فقط طبعا) قد تسبب بعض أمراض الصدر نتيجة لتلوث الهواء، وفي ظل نظام اقتصادي متخبط في مفهومه عن التنمية البشرية وغير قادر على توفير أحد أساسيات الصحة السليمة وتوجيه الطاقات الزائدة لدى الشباب. فالأفضل لهم أن يلتزموا بمسابقات الأتوبيسات اليومية، أما إن كانوا بدون عمل أو من الطلاب الفاشلين فهم يعرفون مكانهم جيدا على النواصي لممارسة رياضة التحرش الجنسي. وهنا نجد أن ذلك المثل الشهير كان خدعة مدرسية وإعلامية لتشويش الفكرالمصري أكثر مما هو، فالأجدر القول أن “الصحة تاج على رؤوس الأغنياء لا يراه غير الفقراء”.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.