امتلئت وسائل إعلام العالم وخاصة الصحف في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي بكثير من الإعلانات الموجهة لغير الناطقين بالإنجليزية وبلغتهم الخاصة تدعوهم إلى السفر إلى الولايات المتحدة غالبا وأحيانا بريطانيا من أجل تعلم اللغة وثقافة أهلها. وغالبا ما كانت تلك الإعلانات مصحوبة بصور شديدة الجاذبية ذبيئة مثالية وجميلة تجعل كل من ليس له اهتماما قد يفكر بالالتحاق بمثل تلك البرامج من أجل السفر والستمتاع بثقافة جديدة جذابة من وجهة نظر قارئ الإعلان البسيط.
الجدير بالذكر أن هذا النوع من الاستثمار كان مدفوعا من الحكومتين سواء الأمريكية ـو البريطانية في صورة دعم مالي وسياسي أو حتى تسويقي من خلال السفارات أو مراكز التمثيل الثقافي. وبالفعل نجحت تلك الحملات باجتذاب الكثير من راغبي تعلم الانجليزية من كل أرجاء العالم مما مثل موردا اقتصاديا هاما لتلك الدولتين حينها على الرغم من كونهما من الكيانات الاقتصادية الكبرى والتي قد يعجب البعض من اهتمامهم بمثل هذه الاستثمارات “التافهة”.
تغير النظام العالمي وجاءت أحداث 11 سبتمبر وأصبح عالمنا العربي مسرح لأهم أخبار العالم. انتشرت “الإسلاموفوبيا” ووضع العالم على كل من يدين بالإسلام أو يتحدث لغة قرآنه سيل من علامات الاستفهام. وأصبحت اللغة العربية من أكثر لغات العالم طلبا لتعلمها. ربما ليس حبا فينا لكن تلك الرقعة من الأرض فعلا اثارت فضول باقي بني البشر من كل الأجناس بدءا بالولايات المتحدة الأمريكية قائد الحرب الأخيرة على ابناء العرب وانتهاءا ببلاد قد لا نجد أي سبب لتعلمهم العربية غير رغبتهم الشخصية كدولة منغوليا على سبيل المثال.
ومن حظ مصر أن تكون القبلة الساسية لهؤلاء الدارسين حيث يجدون في اللهجة المصرية الوسيط الذي يفهمه كل العرب بسبب التاريخ الإعلامي المسيطر والمقيم بكل بيت عربي. ذلك إلى جانب الواقع المصري التاريخي والثقافي الثري وثقلها السياسي وبالطبع تميزها السياحي.
وفي نظرة سريعة على واقع هذا السوق اللغوي الرائج نجد أنه يعاني من فقر وإهمال رسمي كبير. فالجهات التي تقدم خدمة تعليمية جيدة تنحصر فقط بضع هيئات أجنبية كالجامعة الأمريكية وهيئة أميديست والمركز الثقافي الفرنسي. وتأتي تلك المؤسسات آلاف الدارسين سنويا من راغبي تعلم اللغة العربية حيث يدفع الطالب الواحد مابين ألفين وعشرة آلاف دولار بالفصل الدراسي الواحد من أجل إتقانها الذي لايمكن أن يتحقق قبل أقل من عامين.
ربما يقد الأزهر بعض الدورات اللغوية لغير الناطقين بالعربية لكنها بعيدة كل البعد وبشهادة بعض الأجانب عن الأساليب الحديثة في تعليم اللغة. يوجد كذالك بعض مراكز اللغات التي تقدم تلك الخدمة لكنها ايضا مازالت بعيدة عن النموذج الناجح لهذا النوع من الاستثمار الاقتصادي الممستمد قوته من الرافد الثقافي المتوفر “مجانا”.
والغريب أن التعليم الرسمي بالجامعات أو المراكز الثقافية أو البحثية لم تلتفت لمثل هذا النوع من الاستثمار متوافر الطلب “على الجاهز”، وإن حدث فهو شديد المحدودية ورديئ المستوى. ومن العجيب تدير تلك المؤسسات ظهورها لهذا المورد الاقتصادي الذي من الممكن أن يتعاظم ويتضاعف بغزارة مادام العالم مستمرا في وضعتا تحت الميكروسكوب.
بل ومن الجائز ايضا وبعيدا عن عنصر الاستفادة الاقتصادية من الآخر حيث تركت تلك الخدمة الحساسة لجهات أجنبية من أجل تعريف هؤلاء الوافدين بلغتنا وثقافتنا نيابة عنا وكأنهم أعلم بنا عنا، ربما يكون من الأفضل أن تقدم المؤسسات الرسمية والوطنية نموذجا أكثر اعتدالا في نقل صورتنا للآخر تخلق أصدقاء ورسلا للعالم يعرف بحقيقة تلك الأرض وشعبها.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.