أنا شربت حشيش يا سعاد! أحد أهم وأشهر الجمل التي يكررها المصريون وحتى العرب من هواة تعاطي الحشييش تحت سماء مصر السهرانة. عبارة وردت بصورة مؤثرة ومميزة في أحد مشاهد فيلم “كراكون في الشارع” بطولة عادل إمام والذي يعد أحد أفضل أفلامه التي تركت بصمة في ذاكرة المشاهد البسيط إلى جانب الكثير من الأعمال الأخرى كفيلم الكيف وغيرها من الأعمال المحورية.

بدأ الحشيش يجد طريقه للشارع المصري بصورة منظمة من بعد ثورة 1919 حيث بدأ تداوله كسلعة دعمها البريطانيون لتغييب المصريين عن واجباتهم الوطنية ومقاومة الاحتلال. غير أن الظاهرة يبدو أنها قد تغلغلت في وجدان المجتمع بكافة فئاته العمرية والاقتصادية منذ أواخر الثمانينات. وربما يكون الإعلام أحد أهم عوامل انتشار ذلك المخدر بعد تناوله بصورة في ظاهرها تنهي عنه وفي باطنها وعن جهل قد تعد أهم مروج له.

إذا الحشيش كسلعة مرغوبة على المستوى الاجتماعي على رغم حظرها قد تنطبق عليها معظم آليات العرض والطلب. بالطبع محاربتها أمنيا وتشريعيا وبقوة لا يمكن التفريط فيه، غير أن إغفال النظر إليها على أنها سلعة تباع وتشترى في بيئة اقتصادية يعد أحد أوجه القصور الفكري في إدارة تلك الكارثة التي لم تعد ترى إجتماعيا على أنها بهذا السوء بعدأن أصبحت شبه مقبولة. بل إن العبث والتشوش الفكري حقا أن تجد أحدهم يقول “أنا لايمكن أشرب خمرة، هي سجارة الحشيش وبس”.

وفي مقارنة بسيطة بين انتهاء تجارة العبيد وإيجاد وسيلة للقضاء على تجارة المخدرات، يعتقد أنه يمكننا حقا التعلم من دروس كيفية انتهاء تلك التجارة القديمة بالبشر. ففي بداية القرن التاسع عشر ظهرت الكثير من التشريعات والقوانين المجرمة لتجارة العبيد في معظم أنحاء “العالم المتحضر” وقتها وكانت مصر بطريقة أو بأخرى في نفس كفتهم.

كما خرجت العديد من الحملات العسكرية البرية منها والبحرية للقضاء على اباطرة تلك التجارة كالتي خرجت من مصر في عهد الخديوي إسماعيل وصولا إلى ما دون أواسط أفريقيا، وأخرى بحرية خرجت من بريطانيا باتجاه المحيط الأطلنطي على سواحل غرب أفريقيا لعدة عقود لقطع الطريق على أساطيل النخاسة الإسبانية والبرتغالية.

كل تلك القوانين والحملات العسكرية بالطبع أفادت في انحسار تجارة العبيد، غير أن بعض الأبحاث مؤخرا أكدت أن انهاء تلك التجارة يعود لسبب اقتصادي بحت مبني على قلة الطلب على تلك “السلعة” نتيجة لارتفاع كلفة رعاية العبد إضافة إلى التقدم الذي شهده العالم ونمو الثورة الصناعية وانتشارها بما جعل الاحتفاظ بعبد تطعمه وتنفق عليه غير منطقي وخاصة بعد انهيار النظام الإقطاعي بأوروبا.

وهنا ربما يجوز إسقاط بعض النقاط والدروس المستفادة من الديناميكية الاقتصادية لتجارة العبيد مقارنة بتجارة المخدرات عامة وتالحشيش خاصة في مصر. فالتفكير هنا يجب أن يكون استراتيجيا وشموليا للعمل على إضعاف الطلب على الحشيش بعد أن أصبح سلعة شبه مقبولة اجتماعيا. والإعلام الذي فجر هذا الارتفاع في الطلب هو نفسه المطالب بلعب نفس الدور المؤثر من أجل خفض الطلب وبصورة مدروسة ومكثفة ولفترات طويلو ومسندامة.

ذلك بالطبع بدون غض النظر عن المشكلات الأساسية التي قد تدفع الكثير من المصريين إلى الهروب من الواقع اليومي المحبط ولو لساعة آخر الليل معتقدين أنها قادرة على إعطائهم الطاقة والصبر على استقبال هم يوم جديد سببه انهيار المنظومة الديموجرافية على جميع مستوياتها الاقتصادية والأمنية والاجتماعية والسياسية، حيث أصبح الشباب محبطاً لا يجد عملاً ولا متنفساً سياسياً لآرائه مسقطا لحلم الزواج باحثا عن ضحكة عابثة وفارغة من المعنى عندما يناول سيجارة الحشيش لصديق مرددا “صباح الخير” وبعد أن يسير السم في دمه وصولا لمخه يهلل فرحا كعادل إمام “أنا شربت حشيش ياسعاد” فينهار الجميع ضحكا لساعات بدون سبب.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.