تحظى المنظومة المصرفية المصرية بإشادة من المؤسسات المالية الدولية، وغالبًا ما يُصوَّر هذا القطاع على أنه أحد الناجين من الأزمة المالية العالمية. ومن الصحيح أن هذا القطاع تمكن من الصمود في وجه «تسونامي» المال لأكثر من عام، إلا أن البيروقراطية والجمود والمركزية لعبت دورًا لا يقل أهمية في هذا «الانتصار» المزعوم.
ويمكن وصف هذا العام بـ«عام عودة القطط السمان»، إذ عاد إلى الساحة أفراد سبق اتهامهم رسميًا بارتكاب جرائم احتيال، عبر تسويات مصرفية لم تنجح في استرداد حقوق المودعين، أو تأمين سيولة كافية لتعويض الخسائر الناتجة.
وفي المقابل، ورغم الخطاب الرسمي الذي يشدد على دعم المستثمرين الصغار والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، لا تزال السياسات المصرفية في مصر تتسم بعداء غير مباشر لهذه الفئات.
ويقول منتقدون إن مبادرة الحكومة الأخيرة لتأسيس شركات تمويل متناهي الصغر ما هي إلا إعادة إنتاج لتجربة بنك التنمية والائتمان الزراعي، التي انتهت بإدخال عدد كبير من المزارعين المصريين السجن. وقد أدى ارتفاع أسعار الفائدة آنذاك إلى تعثرات واسعة النطاق، خلّفت وراءها حلقة مفرغة من الضغوط المالية.
وفي الوقت نفسه، أصبح القضاة والمحامون وضباط الشرطة والصحفيون من ضحايا الظلم الائتماني، حيث تبنت عدة بنوك إجراءات احترازية تمثلت في حرمان المنتمين لهذه المهن من خدمات الائتمان. وتُجسّد هذه الممارسات التمييزية في اعتماد غير رسمي لقوائم ما يُعرف بـ«المهن المحظورة».
وأصبحت ظاهرة تصنيف «المهن المحظورة» أمرًا شائعًا لدى البنوك الخاصة، استنادًا إلى «سجل ائتماني سيئ» مع عملاء من هذه الفئات. وعلى الرغم من انتشارها، فإن مديري إدارات التجزئة المصرفية يرفضون الإفصاح عن التفاصيل أو الإدلاء بتصريحات حول الموضوع. ويُبرر معظمهم هذه الممارسات بصعوبات سابقة واجهوها مع عملاء من هذه المهن.
وقال مدير لإحدى إدارات التجزئة المصرفية: «من حق أي بنك أن يرفض منح الائتمان لفئة معينة إذا تأخرت الإجراءات القضائية ضدها في حالة التعثر». وذكر مسؤول آخر أن الاستثناء الوحيد المسموح به لعملاء هذه الفئات يكون من خلال موافقة مباشرة من مدير الفرع.
وتركز البنوك حاليًا تركيزًا حادًا على المتقدمين بطلبات للحصول على قروض سيارات أو عقارات أو قروض شخصية. وغالبًا ما تُقدَّم الرفضات بصيغة دبلوماسية، لكنها تكون مدفوعة بسياسة الحظر السرية، بغض النظر عن مدى مصداقية دخل المتقدم، والتي يُفترض أن تكون أساس التقييم العادل.
وتتعارض هذه الممارسات مع الإجراءات المعيارية المتبعة تجاه الأفراد غير المدرجين على القوائم السوداء الصادرة عن البنك المركزي المصري أو شركة «آي سكور» (الشركة المصرية للاستعلام الائتماني)، التي توفر بيانات السجل الائتماني للمؤسسات المالية.
وعلّق الأستاذ محمد الشراوي، المحامي لدى منظمة «المساعدة القانونية للاجئين في إفريقيا والشرق الأوسط» (AMERA)، قائلًا: «ما يحدث هو سلوك تمييزي يُقيّد بشكل غير عادل خدمات الائتمان لفئات اجتماعية بعينها، ويُعد في الوقت ذاته مخالفة قانونية».
وقد دخلت نقابة الصحفيين، ممثلة في الأستاذ محمد خراجة، رئيس لجنتها الاقتصادية، في مفاوضات مع البنك المركزي المصري ورؤساء عدد من البنوك لإزالة مهنة الصحافة من هذه القوائم غير المعلنة.
وقال خراجة: «القضية لا تزال قائمة، وقد قدمنا طلبًا لرئيس البنك الأهلي، لكننا لم نحصل على أي نتيجة حتى الآن».
ويعترف مصرفيون على نطاق واسع بأن الأفراد العاملين في المهن المذكورة يُنظر إليهم، في كثير من الأحيان، على أنهم يستخدمون نفوذهم لعرقلة الدائنين عند اتخاذ إجراءات قانونية في حال التعثر في السداد. وقد تسببت تصرفات قلة منهم، للأسف، في فرض سياسة تمييز جماعية تطال شريحة أوسع من المواطنين.
وينفي الأستاذ أحمد قورة، الرئيس السابق للبنك الأهلي المصري، وجود مثل هذه السياسات أو القوائم المتعلقة بـ«المهن المحظورة». وقال: «لا البنك المركزي ولا الحكومة أصدرا أي تعليمات بهذا الشأن».
ووصف قورة هذه الممارسات، في حال حدوثها، بأنها غير قانونية، مؤكدًا عدم صدور أي توجيهات من البنك المركزي حتى الآن. ومع ذلك، برّر قلق المصرفيين تجاه هذه الفئات من العملاء واصفًا الأمر بأنه «خوف من الشر». وأضاف: «من حق البنوك اتخاذ خطوات احترازية بدافع الحذر. فكثيرًا ما تواجه البنوك صعوبات في تنفيذ الأحكام القضائية ضد ضباط الشرطة، خاصة عند نقلهم إلى إدارات جديدة ترفض تحمل المسؤولية».
وتُفاقم هذه الأوضاع من حالة الارتباك داخل القطاع المصرفي المصري، وتُضيف إلى العدد المتزايد أصلًا من المواطنين المستبعدين من خدمات الائتمان. وفي المقابل، لا تزال مبالغ ضخمة من القروض تُمنح لفئات أخرى من المستثمرين، ممن يملكون من النفوذ ما يكفي للتفاوض على شروط تفضيلية، حتى في حالات ارتكابهم لجرائم احتيال، في ظل غياب فعالية تطبيق القانون التجاري.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت.