توفي أبو الطيب المتنبي عام 965 ميلادية وترك قصيدة قاسية في وصف التخبط السياسي والاجتماعي في عهد الدولة العباسية الثانية. لم يعد أحد يتذكرأن المتنبي هو صاحب القصيدة غير أن أحد أبياتها لم يكف الشعراء والمثقفين عن تكراره ونسبه لأنفسهم أحيانا كلما استحكمت المهانة بقوم على أرضهم. ويقول المتنبي في درته المنسية:
لا شيء أقبح من فحل له ذكر
تقوده أمة ليست لها رحم
سادات كل أناس من نفوسهم
وسادة المسلمين الأعبد القزم
أغاية الدين أن تحفوا شواربكم
يا أمة ضحكت من جهلها الأمم
ثم جاء بعدها بما يقرب من التسعة قرون الشاعر التركي المستعرب حسن الطويراني المتوفي بعام 1897 ميلادية معبرا عن أزمته بسقوط أمته مستعيرا لبيت المتنبي الأخير قائلا:
إني أقول وحق ما أقول لهم
لكنهم جهلوا تحقيق ما فهموا
مني سماعا عباد الله واعتبروا
يا أمة ضحكت من جهلها الأمم
بعد أكثر من مئة عام على تكرار الطويراني لحكمة المتنبي، وبعد أن تحولت مباراة “الأشقاء” مصر والجزائر على أرض السودان الشقيق الثالث إلى حرب جاهلية بين “الأوس والخزرج”، السؤال هنا هو من سيأتي عليه الدور من أجل ترديد بيت المتنبي النافذ عبر العصور واختلاف مقوماتها ومآسيها.
والغريب أنه لم يشترك المصريون والجزائريون فقط في بذل الدماء والشهداء من أجل تحرير الجزائر وسيناء، بل اشترك الشعبين أيضا في نفس مستنقع الجهل والفقر والتخلف والعيش تحت نفس وطأة الطاحونة الاقتصادية. غير أن كل تلك العوامل التي من المفترض أن توحدهم في خندق واحد، حعلتهم أكثر قسوة من جلاديهم بالاستقواء على من تسقط رقبته تحت سكين البربرية.
لم يكن ماحدث لبسطاء المصريين عقب المباراة المشؤمة بالسودان الذين لم يجدوا غير الكرة كنافذة وحيدة للتعبير عن وطنيتهم سوى حلقة في سلسلة من انفجارات لكراهية مكبوتة بين أخوة الأمس. أحداث لم يكن البعد الاقتصادي بعيدا عنها من تكسير وحرق واعتداءات على مصريين ومصالحهم على أرض المليون شهيد.
لم يكن ماحدث لبسطاء المصريين عقب المباراة المشؤمة بالسودان الذين لم يجدوا غير الكرة كنافذة وحيدة للتعبير عن وطنيتهم سوى حلقة في سلسلة من انفجارات لكراهية مكبوتة بين أخوة الأمس. أحداث لم يكن البعد الاقتصادي بعيدا عنها من تكسير وحرق واعتداءات على مصريين ومصالحهم على أرض المليون شهيد.
بل إن البعد الاقتصادي يشترك بينهم في كون الشعبين واقعين تحت وطأة التضخم والبطالة ومحدودية النمو ومتطابقين تقريبا في انهيار الطبقة الوسطى. غير أن الكرة دائما أهم عندما يستحكم “تجوف” الشعوب الفكري.
يبدو أن الصمت المصري الذي طال أكثر من اللازم إزاء اعتداءات وإهانات الأشقاء لأكثر من عقدين من المصافحات والقبلات أمام الكاميرات على أرض “الشقيقة الكبرى” قد بدأ يدفع ثمنه نفس البسطاء الذين يعانون على مر العصور وسط أمة سقطت في بئر من التخلف من المحيط إلى الخليج طال انتظار الارتطام بقاعه حتى اكتشفنا أنه بلا قاع فضحكت على جهلنا الأمم كما تنبا المتنبي منذ أكثر من ألف عام.
نشر بجريدة البورصة