تبذل الحكومة المصرية جهودًا مكثفة للتقليل من آثار أزمة دبي على الاقتصاد المحلى، إلا أن البورصة المصرية ما زالت تسجل خسائر، رغم محدودية انكشافها النسبي على الأسواق الخليجية.
وقد قرر محمود محيي الدين، وزير الاستثمار، تأجيل زيارته المقررة إلى الصين، والتي كانت مُقررة في الأسبوع الأول من ديسمبر، وأعلن تشكيل لجنة لمتابعة تطورات أزمة دبي. ويعكس هذا القرار اقتناع الحكومة بأن السوق المحلية باتت تواجه من جديد مخاطر مالية متزايدة.
إنفلونزا خليجية
أغلق مؤشر سوق دبي المالي تداولاته يوم الإثنين الماضى على تراجع بنسبة 7.3%، في أول جلسة تداول بعد إعلان حكومة الإمارة، يوم الأربعاء السابق، عن تجميد ديون شركة «دبي العالمية». وقد تسبب هذا الإعلان في صدمة مالية ترددت أصداؤها في الأسواق العالمية يومي الخميس والجمعة.
وتُعد «دبي العالمية» شركة استثمارية تتولى إدارة محفظة من الشركات والمشروعات التابعة لحكومة الإمارة، وتهدف إلى الترويج لدبي كمركز تجاري عالمي. وكانت محفظة المجموعة الواسعة من الأصول قد أثارت جدلًا سابقًا عندما حاولت الاستحواذ على ستة موانئ أمريكية قبل أكثر من عام.
وقد استمرت موجة التراجع في سوق دبي في الأيام التالية، رغم تحذيرات الحكومة الصريحة من الخلط بين الديون السيادية وديون «دبي العالمية». وقال حاكم دبي، محمد بن راشد آل مكتوم، يوم الثلاثاء: «الخلط بين ’دبي العالمية‘ وحكومة دبي يُعد خطأ».
ورغم ذلك، جاءت ردود فعل الأسواق متسرعة وغير عقلانية، لا سيما بعد إعلان «دبي العالمية» نيتها إعادة هيكلة عدد من شركاتها، ومن بينها شركة «نخيل العقارية». وتُشكل ديون هذه الشركات نحو 26 مليار دولار من إجمالي مديونية المجموعة، والتي تبلغ 59 مليار دولار.
نقص مناعة
رغم أن البورصة المصرية ليست، نظريًا، على ارتباط وثيق بأزمة دبي، فإنها شهدت تراجعًا حادًا على خلفية تلك الأخبار. فقد انخفض مؤشر البورصة الرئيسي EGX30 بنسبة 7.97% يوم الإثنين، في تكرار لهبوط سوق دبي ولكن بنسبة أعلى.
ويمثل هذا الانخفاض في المؤشر أكبر تراجع له منذ أربعة أشهر، ما أعاد إلى الأذهان أحداث ما يُعرف بـ«الثلاثاء الأسود» في أكتوبر 2008. وقد كان المستثمرون العرب هم المحرك الرئيسي لعمليات البيع، إذ أسهمت تداولاتهم في تراجع نسبته 6.45%.
وكانت الأسهم القيادية في البورصة من بين الأكثر تضررًا؛ فقد هوى سهم «هيرميس» بنسبة 13.99%، وتراجع سهم «أوراسكوم للإنشاء» بنسبة 8.76%، وسجل سهم «البنك التجاري الدولي» انخفاضًا بنسبة 7.28%، في حين تراجع سهم «أوراسكوم تليكوم» بنسبة 7.17%.
وشهد يوم الثلاثاء تعافيًا طفيفًا، حيث تمكن المؤشر من تعويض جزء من خسائر الإثنين. وبحلول الأربعاء، واصل مؤشر EGX30 اتجاهه الصعودي، مُسجلًا ارتفاعًا بنسبة 2.84%. وقد جاء هذا التعافي مدفوعًا بعمليات شراء نفذها مستثمرون عرب وأجانب، في الوقت الذي تصدر فيه المستثمرون المصريون، بشكل لافت، موجة البيع.
تشخيص الحالة
رغم أن الاقتصاد المصري لا يتمتع بدرجة التعقيد نفسها التي تميز اقتصاد دبي أو الاقتصادات الغربية، إلا أنه يتميز بخصوصية في دينامياته السوقية، وهو ما قد يفسر جزئيًا ضعفه في التفاعل مع موجات الصعود العالمية. غير أن هذا لا يبرر هشاشته الواضحة في أوقات التراجع، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى ترابط البورصة المصرية (EGX) فعليًا مع الأسواق الأخرى.
وقد أجرى مركز معلومات مباشر استطلاعًا شمل 1494 مستثمرًا، وطرح عليهم سؤالًا عما إذا كانت التراجعات الأخيرة في السوق المالية تتناسب مع حجم أزمة ديون دبي. وقد اعتبر 81.1% من المشاركين أن تلك التراجعات غير مبررة ومبالغ فيها، وتوقعوا استمرار الانخفاضات على المدى القصير.
وانتقد هاني هنداوي، الرئيس التنفيذي لشركة «العروبة للأوراق المالية»، وسائل الإعلام لما وصفه بـ«التهويل الإعلامي» للأزمة. وقال: «شركة ’دبي العالمية‘ لم تعلن عجزها عن السداد، بل طلبت فقط تأجيلًا لمدة ستة أشهر».
كما أرجع هندواي التراجع إلى تزامنه مع عطلة عيد الأضحى، التي أعادت إلى أذهان المستثمرين أزمة العام الماضي خلال الفترة ذاتها. ومع ذلك، وصف انخفاض الـ7.97% بأنه رد فعل مبالغ فيه.
وقال هندواي: «البورصة المصرية هشة وضحلة؛ فالانخفاض فيها أسهل بكثير من الارتفاع. السوق يتأثر دائمًا بالسلب لأنه مدفوع بقرارات الأفراد وليس المؤسسات، وهذه الأخيرة لا تؤدي دورها في استقراره، مما يجعله عرضة لسلوكيات عشوائية وغير عقلانية».
ومن منظور الاقتصاد الكلي، تتنافس الأسواق المالية على جذب تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية. وبالمنطق، فإنه إذا تراجعت جاذبية الأسواق الخليجية، كما هو الحال بعد أزمة دبي، فإن السوق المصرية كان من المفترض أن تستفيد من هذا التغير. لكن هذا لا يحدث في الواقع إلا نادرًا.
حالة مزمنة
يبدو أن منطق الأسواق التقليدي لا ينطبق على البورصة المصرية، حيث تسيطر اللاعقلانية على سلوك المستثمرين.
ويتبنّى ياسر النادي، أحد المستثمرين في البورصة المصرية، نظرية مؤامرة، إذ يقول: «كبار المستثمرين والشركات المسيطرة على السوق يتعمدون في أحيان كثيرة تعميق الانخفاضات من خلال إثارة الذعر بين المستثمرين الأفراد، ما يفاقم من موجة البيع». ويُعرف هذا السلوك في البورصة المصرية باسم «ذعر القطيع»، وهو ظاهرة تتكرر باستمرار.
ويضيف النادي: «يقوم بعض اللاعبين الكبار بعمليات بيع مكثفة لتعميق اتجاه الهبوط، ثم يعودون لشراء الأسهم بأسعار أقل في اليوم التالي، أو حتى في اليوم نفسه، إذا تفاقم الهلع بين صغار المستثمرين».
ويُوافق محللون آخرون على هذا التوصيف، ويؤكدون أن الانخفاضات الحادة كثيرًا ما تكون مدفوعة بحالة ذعر غير عقلانية تصيب المستثمرين الأفراد، وهي ظاهرة يعتبرونها من أبرز المشكلات التي تُعيق تطور البورصة المصرية.
وتلاحظ عبير علي، محللة السوق، أن الأزمات عادة ما تتكرر عقب كل عطلة عيد، ما يولد خوفًا يدفع المستثمرين المصريين إلى سلوك غير عقلاني. وتقول: «بمجرد أن يرى الأفراد إشارة بيع على الشاشة، يسارع الجميع بالبيع». وتشير علي أيضًا إلى مشكلة أوسع نطاقًا: «هناك نقص واضح في الثقة بالسوق نتيجة انعدام الشفافية».
وفي الأول من أكتوبر، قام مدير البورصة ماجد شوقي بتجميد التداول على أسهم 29 شركة، متهمًا إياها بالتلاعب في السوق. لكن علي انتقدت القرار واعتبرته إجراءً مفاجئًا أضر بالسيولة في السوق.
وتختم قائلة: «نقص الثقة والسيولة ليسا وحدهما مشكلات البورصة المصرية. فهذه سوق شديدة المرونة عند التراجع، لكنها شديدة الجمود عند الصعود، وتسيطر عليها مشاعر الذعر اللاعقلاني».
هذا المقال نشر أولاً بجريدة المصري اليوم باللغة الإنجليزية.