لا شك أن العام الأخير في الحياة السياسية بتركيا يعد بكل المقاييس من أحد أهم محطات علاقة تلك الدولة المحيرة تاريخيا بالقوى الإقليمية والمحلية. فقد كانت زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لطرابلس الأسبوع الماضي تفصيلة جديدة في مشهد درامي جديد تحاول تركيا فرضه على العالم بكل دبلوماسية.
فقال أردوغان في كلمة خلال المنتدى الليبي التركي للتجارة والاستثمار الذي عقد السبوع الماضي في مدينة طرابلس إن “إلغاء تأشيرات دخول مواطني البلدين سيعزز التواصل بين أصحاب الأعمال في البلدين”. وأضاف أردوغان الذي يزور ليبيا برفقة حوالى 200 رجل أعمال ومسؤول تركي أن الرحلات الجوية بين ليبيا وتركيا ستزداد وسيعاد فتح خط للنقل من أزمير في تركيا إلى طرابلس والذي كان قد ألغي خلال فترة العقوبات على ليبيا. ثم أعلن عن نية البلدين في إنشاء بنكا زراعيا بملكية مشتركة رأسمالها مليار دولارأمريكي.
وأعرب أردوغان عن أمله في أن ينمو حجم التبادل التجاري السنوي مع ليبيا إلى عشرة مليارات دولار في غضون خمسة أعوام. ولم تغفل المباحثات كذلك التطرق لقضايا هامة كعلاقات البلدين بجانب تطورات القضية الفلسطينية إلى جانب قضايا دولية أخرى كالسلم والأمن في المنطقة وإصلاح الأمم المتحدة فيما يعد مغازلة تركية للقذافي وخطابه “التاريخي” أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ أقل من شهرين والذي لم يكف العالم عن تحليله والتعقيب عليه لأكثر من أسبوع.
والزيارة التركية إلى ليبيا ماهي إلا حلقة في سلسلة دبلوماسية ذات بصمة اقتصادية واضحة يقودها أردوغان سبقها بزيارة غير عادية لإيران في حين أن تركيا لم تزل حتى الآن “قانونيا” أهم حليفا لإسرائيل بالمنطقة. وقد أجرى محادثات مع المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي ورئيس البرلمان علي لاريجاني إضافة لوزير الخارجية منوشهر متكي .
وعلى نفس المنوال رافق رئيس الوزراء التركي وفد اقتصادي وتجاري على مستوى عال يضم وزراء وبرلمانيين ورجال أعمال. ولم ينس كذلك أن يطمئن إيران – المنافس الفارسي القديم الراغب في السيطرة على المنطقة – بكلمة واضحة وصف فيها إيران بأنها صديق لبلاده، واتهم الدول الغربية بعدم الموضوعية في التعامل مع الملف النووي الإيراني. كما وصف الاتهامات الغربية لإيران بأنها “مجرد أقاويل تكشف عن نفاق قائليها”. واعتبر أن أي عملا عسكريا ضد منشآت إيران سيكون نوعا من الجنون.
وكل تلك الزيارات والتحركات هي عمليات مستنسخة من بعضها لجولات مكوكية بالعديد من الدول الإسلامية والعربية كباكستان التي سبقت إيران بيوم واحد وغيرها الكثير بعد نجاح النموذج التركي المصري من التعاون الاقتصادي الداعم للتواجد السياسي على طريق العودة إلى البعد الاستراتيجي الجغرافي والتاريخي الذي نجح بقوة أيضا مع سوريا عدو الأمس القريب.
ولم يترك الرجل أي فرصة سانحة في الأفق من أجل كسب الشارعين العربي والإسلامي وخاصة بعد غضبته الشديدة على الهواء بمنتدى “دافوس” الاقتصادي الذي أحرج فيه بشدة كلا من الرئيس الإسرائيلي وسكرتير عام الأمم المتحدة وأمين عام الجامعة العربية ومنظم المنتدى وغادرهم غاضبا وملوحا بذراعيه أمام شاشات العالم رافضا للعدوان على غزة متحولا لزعيم شعبي استطاع أن يجد مكانا بقلوب شعوب لم تعد تتوقع غير الشجب والإدانة من قادتها.
ولا يعد ذلك بمحض صدفة أو صحوة قومية لدى الأتراك، بل هو يعد خيارا استراتيجيا عبقريا يجد لاقتصادهم مكانا على تلك المساحة الجغرافية الشاسعة من العالم تدعمها رغبة شعبية وسياسية لاحترام كيان ما بعد طول غياب لعدالة سياسية لم تأتي بعد واستغلال “رومانسي” لشعوب قهرها التاريخ الحديث متعطشة لصوت عالي يناصرها جهرا.
ويبدو أن تركيا في إعلانها الاستمرار بمسار مفاوضات الدخول بالاتحاد الأوروبي قررت أن تضرب عصفورين بحجر واحد. أولا الاستفادة من المماطلة الأوروبية واستثمار الوقت الضائع في عائد اقتصادي غير عادي “لأبناء عثمان” العائدين لحظيرة العمق الاستراتيجي الإسلامي والعربي. والعصفور الثاني يتمثل في تعاظم نزعة الخوف لدى الأوروبيين في عودة تركيا لعهدها القديم كشوكة عقائدية بخاصرة الغرب عانوا منها لما يقرب من خمسمئة عام. الأمر الذي قد ينتج عنه التسريع في مفاوضات الاندماج بالكيان الأوروبي لتجنب هذا الخطر بصورة تضمن لتركيا أن تكون جولتها القادمة معهم أقوى من سابقاتها.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.