ديدوسيا، كما كان يسميها الفراعنة، أو المحلة الكبرى كما تُعرف اليوم، كانت وما زالت عاصمة صناعة النسيج منذ مصر القديمة وحتى العصر الحديث. وكلمة ديدوسيا في الهيروغليفية تعني الكتان، وهو القماش الأهم في ذلك الوقت. ومن ثمّ، فقد مثّلت المحلة على مدار العصور مركز النسيج الرئيسي في جميع الدول التي أعقبت الحقبة الفرعونية، بما في ذلك مصر القبطية والرومانية والإسلامية.
اليوم، تُعد المحلة الكبرى أكبر مدن محافظة الغربية، وإن لم تكن عاصمتها. ويبلغ عدد سكانها ما يزيد قليلًا عن مليونَي نسمة، ما يجعلها أكبر مدن دلتا النيل.
وعلى الرغم من أن مساحتها لا تتجاوز 25 ألف كيلومتر مربع، وهو ما يجعلها أصغر من بعض المدن المصرية الأخرى، فإنها تظل من أهم المراكز الصناعية في البلاد.
ويعمل أكثر من 80٪ من سكان المدينة في قطاع النسيج، إلى جانب أنشطة صناعية وتجارية أخرى، وتشتهر المدينة بوجود ثالث أكبر مصنع في العالم، وهو شركة مصر للغزل والنسيج.
وتضم المدينة 471 مصنعًا للنسيج، فضلًا عن العديد من المصانع العاملة في الصناعات التكميلية مثل حلج القطن والنسيج. وتستحوذ مصانع حلج القطن وحدها على مساحة 50 فدانًا من المدينة. ومن أبرز الشركات العاملة في هذا القطاع، والمسجلة في البورصة المصرية، شركات النيل ومصر والقاهرة والدلتا.
ويُعد النسيج النشاط المميز للمدينة منذ العصر الفرعوني، حينما كان الكتان القماش الأكثر رواجًا، أما اليوم فيسود غزل القطن بدعم من السمعة العالمية للقطن المصري.
وقد تأسست شركة مصر للغزل والنسيج عام 1927 على يد طلعت حرب، مؤسس بنك مصر وأب الاقتصاد الوطني الحديث، وتضم الشركة 20 مصنعًا ضخمًا، من بينها 6 مصانع للغزل و10 للنسيج و4 للملابس الجاهزة.
وتوظف الشركة 24 ألف عامل وتستهلك بمفردها 25٪ من إجمالي إنتاج مصر من القطن، أي ما يعادل 100 ألف طن من القطن الخام سنويًا.
وقد صرّح الرئيس المصري الأسبق أنور السادات (1970–1980) ذات مرة قائلًا: «المحلة تُجسّد كفاح المصريين في القرية والمصنع، أي كفاح الفلاحين والعمال، وهم القوى الأساسية في وحدة الشعب العامل».
وتُعد هذه الصناعة، التي تقودها المحلة، عنصرًا محوريًا في الاقتصاد المصري، إذ تمثّل نحو 25٪ من إجمالي صادرات البلاد، كما توفّر فرص عمل لنحو 950 ألف عامل، أي ما يعادل نحو 30٪ من القوة العاملة الوطنية.
وتتوزع ملكية المصانع بين القطاعين العام والخاص، سواء المحلي أو الأجنبي، بالإضافة إلى استثمارات عائلية وفردية، ويبلغ عدد الشركات العاملة نحو 4 آلاف شركة، تُقدّر استثماراتها بنحو 10.3 مليار دولار أمريكي.
وقد واجهت المحلة وقطاع النسيج عمومًا تحديات كبيرة في أوائل تسعينيات القرن الماضي، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي واقتصادات أوروبا الشرقية التي كانت تشكّل الأسواق الرئيسية للإنتاج المصري. إلا أن موجة الخصخصة والتحديث ضمن برنامج الإصلاح الهيكلي، أدت إلى تحوّل القطاع نحو اقتصاد السوق المفتوحة ودخول المنافسة العالمية.
وقد دخلت الحكومة المصرية في مفاوضات واسعة واتفاقات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وعدة أطراف دولية أخرى، لتأمين انتقال تدريجي إلى نظام الانفتاح، دون أن يؤدي ذلك إلى صدمات اقتصادية مفاجئة، وهو تحدٍّ آخر كان مطروحًا.
ومن أمثلة هذا التحوّل، شركة «إيجيبت تيري تاولز» العائلية التي تأسست عام 1948 في المحلة، والتي تطورت من مصنع صغير إلى شركة متخصصة في إنتاج المناشف السادة ذات الخيوط المفردة.
وقد صرّح المدير التنفيذي للشركة، السيد محسن القاضي، قائلًا: «منذ 1948، واجهت شركتنا تحديات عديدة وسعينا إلى خطط توسعية متوالية، لكن فترة أوائل الألفية كانت ذروة النمو، إذ بلغت الطلبات من الأسواق الغربية ذروتها».
وفيما يخص التوزيع، أوضح القاضي أن 80٪ من إنتاج الشركة يُصدَّر إلى الخارج، وعلى رأس الأسواق الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وقبرص.
وعلى الرغم من أن صادرات الشركة تراجعت هذا العام بنسبة 40٪، وهو ما يعزوه القاضي إلى الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة، فإنه يظل متفائلًا، واصفًا الأمر بأنه أزمة قصيرة الأجل في ظل الأداء القوي للاقتصاد المصري بوجه عام.
ومن المسلّم به أن الركود العالمي أصاب المشترين في الغرب بأكبر الأضرار، غير أن بعض المستثمرين في المحلة استفادوا من التحوّل العالمي نحو الإنتاج الأقل تكلفة، في بلدان مثل مصر التي توفّر معايير جودة مقبولة.
وفي هذا السياق، قال السيد محمد عزت، المدير العام لشركة «السهيلي تكس» التي تأسست عام 1956: «حاليًا، يُخصص 100٪ من إنتاجنا للتصدير». وتُعد الشركة متخصصة في إنتاج قماش البيتش سكين السادة.
وأضاف عزت: «جميع إنتاجنا يُصدَّر إلى ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا وفرنسا. كما نتعاون مع المجلس التصديري للغزل والنسيج، الذي يسهّل الكثير من أنشطتنا الترويجية. وسنشارك قريبًا في معرض إن تكستايل في ألمانيا، بناء على توصية من الغرفة الألمانية العربية للتجارة».
وقد قررت شركة السهيلي تكس مؤخرًا إنشاء مصنع صباغة ضمن خطة توسع طموحة بعد خمس سنوات من النمو المستمر.
وباختصار، لا تزال صناعة النسيج في المحلة تشكل ركيزة تاريخية في الاقتصاد المصري، وقد شهدت مراحل تطور كبيرة خصوصًا خلال العقدين الأخيرين. وعلى الرغم من التحديات التي فرضها التحول نحو اقتصاد السوق والأزمة المالية العالمية الأخيرة، فإن قطاع النسيج في المحلة يواصل إظهار بوادر واعدة، ويتيح فرصًا للمستثمرين القادرين على التكيّف مع الأسواق الخارجية.
ويُعد هذا الأفق هو ما يدفع الحكومة المصرية إلى مواصلة جهودها لإزالة العقبات التي تواجه القطاع، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة تمهيدًا لتحقيق نمو مستدام في المستقبل.
هذا المقال نشر أولاً بمجلة جيرمن أراب تريد.