عاد الحديث عن أفريقيا كحليف استراتيجي بصورة تشبه إلى حد ما تلك النبرة السياسية التي كانت سائدة في السنينات والتي جعلت شاعرا مثل محمود حسن إسماعيل يكتب منبهرا بموجة الكفاح السوداء ضد المستعمر الأبيض قائلا:

مارد الادغال القى قمقمه… افتحوا الباب والا حطمه

تلك الموجة التى شارك عبد الناصر في دعمها على عدة جبهات كان أكثرها ظهورا للرأي العام العالمي بدولة غانا والتي انتهت باغتيال نكروما زعيمهم والصديق الشخصى له. واتسمت العلاقات المصرية الأفريقية وقتها بعمق شديد متمثلا في زعيم اعتبرته الشعوب الأفريقية أبا روحيا لهم على الرغم من اختلاف لونه عنهم.

غير أن ذلك الزخم في العلاقات المصرية الأفريقية لم يعد كسابقه في تلك الفترة. الأمر الذي يدعو للتساؤل عن النزعة الحالية للعودة للحديث عن القارة السمراء على أنها ذلك البعد الاستراتيجي الهام الذي لا يجب أن نغفله

أفكار جميلة من حيث المبدأ لا يعيبها شيئ غير قضية هامة تتمثل في كيفية هذه العودة المصرية لأفريقيا. ولماذا تتخذ الشكل الاقتصادي بصورة أبرز من غيره.

ففي الأيام القليلة الماضية تواترت الأخبار عن الاستثمارات المصرية هناك والتوجه الحديث للقطاع البنكي المصري في دخول تلك الأسواق المالية. فقد اتفق كل من بنوك الأهلى ومصر والقاهرة وتنمية الصادرات على تأسيس صندوق استثمار مباشر برأسمال ومدفوع 150مليون دولار للدخول فى مشروعات استثمار مباشر فى دول حوض النيل.

كما أعلن البنك الأهلى عن عزمه استصلاح 250 ألف فدان فى إثيوبيا، يتم زراعتها بعدد من المحاصيل الزراعية وذلك فى نفس الوقت الذى أعلن فيه طلبه فتح مكتب تمثيل له فى نفس الدولة.

وقد أكد أحد الخبراء من وجهة نظره أن البحث عن فرص استثمارية جديدة، وعدم الانحصار داخل السوق المصرية الذى لا يفرز فرصا استثمارية كبيرة تتناسب مع السيولة الكبيرة فى القطاع المصرفى التى تزيد على 800 مليار جنيه، ربما تكون الدافع الأول وراء رغبة البنوك المصرية فى التواجد فى السوق الأفريقية، بعد مرحلة من الانكفاء على السوق المصرية.

وعلى خبراء الاقتصاد الكلي هنا أن يجيبوا على سؤالين. أولهما يتعلق بمسألة تلك السيولة المصرفية “الغير مستغلة” وكيف يحدث ذلك في دولة نامية بها 80 مليون نسمة معظمهم من الشباب في أعمارهم الإنتاجية ودولة أمامها عقود للحاق بمستويات البنية التحتية مقارنة بدول أخرى استطاعت أن “تتخرج” من الفقر عن طريق التوسع في الاستثمارات الداخلية.

والسؤال الثاني وبعيدا عن تقديم خدمات بنكية للغير قد تكون مربحة لمؤسسات بعينها، وهو متعلف بفكرة الاستثمار الفعلي بالخارج كالزراعة بإثيوبيا على سبيل المثال. نعم هنالك مياه أوفر وعمالة أرخص ولدينا حاجة للمزيد من المنتجات الزراعية. لكن ألا يمثل ذلك اقتطاعا اقتصاديا محليا يتم حقنه في اقتصاد دولة أجنبية مع احترامنا لهم، ثم يعاد تصديره إلينا في صورة واردات تخل بميزاننا التجاري كان الأحرى بها أن تساهم هنا بتطوير القطاع الزراعي وخلق فرص عمل.

على الاقتصاديين يفكروا بصزت مرتفع في هذا الوقت بالذات من أجل التوضيح للرأي العام والساسة كذلك ما قد يكون لمثل هذا التوجه من مميزات وعيوب. وربما يتضح أن الأمر برمته هو إضفاء صبغة اقتصادية على قضية سياسية بحتة مرتبطة بالصعوبة التي تواجهها مصر في حسم قضية حصة مياه النيل وضعف النفوذ المصري بأفرقيا مقابل نظيره الإسرائيلي.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.