ما أثرى لغتنا العربية وجزالة ألفاظها في التعبير عن أشياء عادية أو حتى أقل من العادية وتصويرها على أنها فصل الخطاب، بل ما أبدع رواد منابرنا السياسية في تحويل الخيبة والهزائم والاسطوانات المشروخة إلى حالة من صعود الدم في رؤوس المتلقين فينتفضوا تصفيقا على لا شيء. وهو الحال دائما مع عودة الحديث مئات المرات عن مشاريع الوحدة الاقتصادية العربية بعد أن أصبحت مشاريع الوحدة السياسية من أساطير الأولين.
فمع نهاية الأسبوع الماضي عادت الدماء العربية الحارة للحراك من جديد خلال ما سمي ب “المؤتمر الدولى الأول للشراكة المصرية الليبية السودانية”، ذلك المؤتمر (مع عدم التشكيك في إيجابيته) وقع فريسة لنفس النزعة العروبية من زمن الأحلام الغابر مما جعل بعض التقارير الصحفية تتزين بعنوان “مشروع المثلث الذهبى بين مصر وليبيا والسودان”.
وباختصار وبكل إيجابية أوصى المؤتمر بوضع أسس تدعيم الشراكة بين الدول الثلاث التركيز على مشروعات البنية الأساسية، وانتقال الأفراد ورؤوس الأموال بين الدول الثلاث، وإزالة أى قيود قانونية، وإنشاء لجنة مشتركة من الدول الثلاث لتنظيم أوضاع العمالة التابعة لكل دولة فى الدولتين الأخريين، وتسوية مشكلاتهم، وإنشاء لجنة مشتركة تعمل كآلية لمتابعة ولتقييم إنجازات العمل التنموى.
بل ذهب المؤتمر لأبعد من ذلك وأوصى بإنشاء سوق عربية مشتركة تجمع بين الدول الثلاث، تكون نواه لإنشاء سوق إفريقية مشتركة، ودعا أيضا سياسيا إلى تنسيق الجهود بين الدول الثلاث لدفع مسيرة الجامعة العربية والاتحاد الأفريقى، والمساهمة فى تحويلهما إلى آليات فاعلة على غرار التنظيمات الدولية المعروفة فى العالم أسوة بالتحاد الأوروبي.
المشروع في حد ذاته بصورته المبسطة هو إيجابي بكل المقاييس، غير أن إعطاءه عبائة ليس على مقاسه يعد من أكثر الأخطاء الشائعة التي يدمن العرب تكرارها إلى حد بدأ يبعث على الضحك. فتجد عبارات وردت بالمؤتمر مثل “أهمية التشديدعلى إشراك الشعوب ، من خلال تنظيمات المجتمع المدني ، في صياغة مفهوم الشراكة ، وتحديد مستوياته وأبعاده ومجالاته ، حتى يكتسب هذا المفهوم البعد الشعبي ، ويخرج من كونه مفهوماً نخبوياً يقوى ويضعف تبعاً للتقلبات السياسية”، وكأن شعوب تلك الدول تحديدا هي فعلا قادرة على لعب هذا الدور النظري البحت عند النزول إلى أرض الواقع.
وعبارة أخرى قائلة “إن إمكانات الدول الثلاث تمنحهم فرصة كبيرة للتكامل الاقتصادي، فالدول الثلاث تملك نصف مساحة العالم العربي ولديها نصف سكانه “، وكأن العدد في الليمون كما يقول المثل المصري الشعبي. ألم يروا أن مفاهيم القوة والنفوذ قد تغيرت، وأن دولة خليجية في صغر حجم أحد أحياء القاهرة اصبح لديها القدرة في أن توجه وتأمر وتنهي وتوحد وتفرق على هواها!
على العرب أن يتوقفوا عن ترديد نفس اللغة العنترية القديمة التي ولدت بالخمسينات، فلكل وقت أذان، ولكل منبر خطاب. وحلم الوحدة العربية اقتصادية كانت أو سياسية والعياذ بالله هو في حد ذاته حلما نبيلا لا بديل عنه سوى الغرق في وحل أعمق مما نحن عالقون فيه. غير أن منطق الواقع الفعلي وإيجاد أرض مشتركة صلبة بعيدة عن أوصاف المعلقات الشعرية البائدة هو بداية الخروج من هذا المازق التاريخي. فالعبور من شاطئ الفقر والجهل والضعف إلى الجهة المقابلة بالستخدام مركب ورقي لن يأخدنا أبعد من مرساها الحالي.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.