دائما على أرض المحروسة ما تجد أهلها سباقين في كل جوانب الحياة. ليس ذلك في فجر التاريخ فقط كمهد للحضارات ونمو الفكر الإنساني، لكن التاريخ الحديث والمعاصر أيضا مليئا بكثير من أمثلة السبق. ففي قمة الوهن والضعف تجد عقولا مازالت تبدع بطريقتها الخاصة والفردية حاصدين جوائز نوبل وغيرها واحترام العالم بتميزهم.
والتميز في السياسة المصرية لا يقل عن أي من تلك المجالات، فمصر دائما على مسرح الأحداث متصدرة كثير من نشرات الأخبار ، ومثيرة لردود فعل لا تقل في عالميتها عن إبداعات أبنائها أمثال أحمد زويل أو مجدي يعقوب أو غيرهم الكثير.
لقد حققت مصر سبقا سياسيا واقتصاديا سيسجله التاريخ لها، فلأول مرة في تاريخ مصر الإسلامي أو العربي أو ربما حتى القبطي تتعرض البلاد لمقاطعة اقتصادية نصرة لأهل فلسطين! هو فعلا سبق بمعنى الكلمة، فالمقاطعات كانت دائما في عكس الاتجاه، أن يقاطع العالم إسرائيل وبضائعها لنفس القضية. أما الآن فمصر بتاريخها المتعمق في جذور الدفاع عن فلسطين وأهلها، مصر العروبة والقومية، وجدت نفسها بعبثية غير محسوبة على الضفة الأخرى التى ينظر إليها على أنها ضفة الأشرار والمتجبرين، وذلك هو السبق بعينه.
فقد أعلن نشطاء أوروبيون عزمهم إطلاق حملة في عموم القارة الأوروبية لمقاطعة حركة السياحة إلى مصر والمنتجات المصرية، في أعقاب الإصرار على بناء “الجدار الفولاذي” على طول الحدود مع قطاع غزة. وقد تم اقتراح بعض الأنشطة والفعاليات لمواجة هذا الجدار بهدف تشكيل عامل ضغط على القيادة المصرية.
وقد رأت الناشطة البريطانية ناعومي جيفري أن أهمية الحملة تكمن في أنها سوف تستهدف قطاع السياحة المصرية، إذ لا يعقل أن نذهب للتمتع في مصر لندعم اقتصادها “على حساب أرواح الأبرياء” على حد تعبيرها. أصبحت الآن مصر تتهم غربيا بالتقصير في أرواح الأبرياء من الفلسطينيين، أليس ذلك سبقا!
ربما جاء رد الخارجية المصرية بدبلوماسيتها المعهودة مخففا من وطأة من يرون المشروع على أنه “مؤامرة مصرية” ضد حركة حماس يدفع ثمنها أهل غزة. فالبفعل تشير التقارير إلى عمليات تهريب للسلاح عبر الأنفاق كثيرا ما وضعت مصر في موقف محرجا على المستوى الدولي.
لكن أي رد فعل هذا الذي يجعلنا قي موقف أكثر إحراجا من تهريب السلاح نفسه، أن تتهم مصر بتجويع المحاصرين بغزة وأن ينادي ناشطو الغرب بمقاطعة مصر. أتعجب كثيرا أين تلك الحنكة الدبلوماسية المصرية الناعمة عندما يأتي وقت اتخاذ قرارات على الأرض كثيرا ما تأتي بعكس النتائج المرجوة.
فبعد أن وجدت مصر لنفسها مكانا آمنا في عاصفة الأزمة الاقتصادية جعلها مثلا لاقتصادات قادرة على مواجهة الأزمات، وبعد أن ذاع صيتها كمناخ آمن للاستثمارات الأجنبية نتيجة للاستقرار والقدرة على النمو. الآن على مصر أن تواجه شبح المقاطعة التجارية والسياحية.
من المؤكد أن أنظمة العالم لن تسمح بتلك المقاطعة على المستوى الرسمي، بل ربما يتم محاربتها علنا لأن مصر شريكا استراتيجيا لا يجب التخلي عنه من وجهة النظر الغربية. لكننا نتحدث هنا عن الغرب وأهله الذين لا تثنيهم حكوماتهم عن فعل ما يريدون بصورة فردية، فسيظل دائما لهم حقا في حرية الاختيار والتي قد يكون منها الرغبة في المقاطعة.
حتى ولو أعلنت ذلك نفس المنظمات الحقوقية التي دعت إلى المقاطعة مسبقا، فما بداخل وجدان الأفراد من مشاعر سلبية لا تغيرها التصريحات الإعلامية في يوم وليلة. وعلينا التعامل مع هذا السبق السياسي والتاريخي اقتصاديا من الآن ولفترة لن تكون بالوجيزة.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.