العلاقات المصرية الأفريقية وخاصة مع دول حوض النيل تشهد مؤخرا حراكا سياسيا واقتصاديا يبدو أنه حتمي في ظل زيادة مخاطر فقدان مصر لجزء من حصتها في مياه النيل وزيادة التوغل الإسرائيلي في دواوين السياسة الأفريقية بالعشر سنوات السابقة.
الأمر الذي قد يكون وراء الزيارة الكبيرة لرئيس الوزراء المصري أحمد نظيف لإثيوبيا بصحبة وفد ضخم من رجال الأعمال المصريين الممثلين لأكثر من سبعين شركة. وقد عقد جلسة محادثات رسمية فى أديس أبابا مع نظيره الإثيوبى ملس زيناوى اقتصرت عليهما فقط فى البداية قبل أن ينضم إليهما فى وقت لاحق أعضاء وفدى البلدين فى جلسة موسعة حضرها من الجانب المصرى وزراء الكهرباء والطاقة والتعاون الدولى والتجارة والصناعة والصحة والزراعة كذلك.
وتطرقت المباحثات كيفية تسهيل التعاون الاقتصادي بين البلدين من خلال إتفاقيات لتشجيع وحماية الاستثمار. وقد أكد الجانب المصري على الرغبة الكبيرة فى الاستثمار فى أفريقيا بشكل عام وإثيوبيا بوجه خاص في ظل تمتعها بميزة بالنسبة لمصر حيث أنها إحدى دول حوض النيل.
وأصر الوفد كذلك على أهمية تنمية مبادرة حوض النيل باعتبارها مبادرة شاملة ، وكلما ارتفعت مستويات المعيشة بدول حوض النيل كلما انعكس ذلك على الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لهذه المنطقة وأهمية تكامل دول الحوض مع بعضها البعض لأننا نشترك جميعا فى الموقع والموارد ذاتها.
ويعد كل ذلك تحركا اقتصاديا مصريا يتسم بالبراجماتية في مواجهة الظرف الأفريقي الراهن، غير أن الجميع قد نسي أو تناسى أن إثيوبيا من أكثر الدول عداوة للإسلام بصورة أكثر دموية من الغرب الذي أصابه “السعار” منذ أحداث 11 سبتمبر. وهي مشكلة تاريخية لازال يدفع ثمنها مسلمو هذا البلد الذين يقدرون دوليا ب 65% من السكان في حين رفض الحكومة العنصرية الاعتراف بتلك النسبة.
ويفخر مسلمو إثيوبيا بكونهم أول مجتمع في العالم احتضن الإسلام عام 615م، عندما هاجر المسلمون من مكة إلى هناك بعد تعرضهم للاضطهاد في المجتمع العربي، وتعد مدينة”نيجاش” الحالية في إثيوبيا أول مكان استقر فيه المسلمون في إفريقيا إلى نهاية قصة انتشار الدين سلما عن طريق التجارة وغيرها. غير أن دور المسلمين قد تراجع في الادارات والسياسات بتعصب الطرف الآخر، فلم يكن جميع الاباطرة نجاشيين، وأسوأهم في اضطهاد المسلمين كان الامبراطور “هيلاسي لاسي” الذي اعتبر المسلمين رعايا من الدرجة الأخيرة.
وقد استغاث مفتي إثيوبيا الشيخ عمر إدريس منذ عامين بالعالمين العربي والإسلامي للوقوف ضد حملة تنصير شرسة تستهدف مسلمي بلاده. وقال إن مسلمي إثيوبيا عانوا عقود طويلة من المعاناة والتهميش التي واجهوا فيها الأمرين على يد حكام أثيوبيا السابقين الذين نظروا إلى المسلمين كأعداء لهم، فمارسوا فيهم القتل والتصفية وتدمير المساجد لمدة طويلة، فضلاً عن حرمان مناطق المسلمين من أي خطط تنموية.
وكانت صحيفة ليبراسيون الفرنسية قد كشفت في وقت سابق من العام الماضي عن تدمير قرى وتشريد مواطنين وحالات اغتصاب واغتيالات يمارسها الجيش الإثيوبي في إقليم “أوجادين” ذي الأغلبية المسلمة شرقي البلاد منذ أكثر من عام. غير أن الحكومة الإثيوبية تنفي تماما وقوع أي من هذه الأحداث.
غير أن تقريرا صدر عن مؤسسة علمية بحثية أمريكية تدعى “اتحاد التنمية العلمية” أو AAS قد ذكرت أن صور الأقمار الصناعية التي ظهرت مؤخرًا أثبتت صحة التقارير التي أكدت قيام الجيش الإثيوبي بإحراق بلدات وقرى بكاملها في إقليم أوجادين.
وهنا سؤال يطرح نفسه أمام صانعي القرار الاقتصادي لدولة “زعيمة” في العالمين العربي والإسلامي بعاصمتها القاهرة عاصمة للعالم الإسلامي لأكثر من ألف عام. هل الفكر البراجماتي (العملي) الحديث في الدويلات الثقافية المنعزلة مؤخرا والمنكبة على مبدأ “نحن أولا” مبررا كافيا لتجاهل القيمة التاريخية والثقافية والقومية لدولة مثل مصر؟ الأمر الذي جعل ابناءها يسافرون في وفد رفيع المستوى لمصافحة أيد ملطخة بدماء شعب كامل بغض النظر عند دينهم فهم أولا وأخيرا بشر. أم أن الموقف الاقتصادي الحرج الذي تعيشه مصر هو ابدى من كل تلك المثاليات التي لم تخرج من كتب العنتريات الوهمية في تاريخ إنساني لم يعرف سوى لعبة المصالح.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.