صرح السيد الأستاذ مصدر بن مسؤول باتحاد الصناعات المصرية، الذي استحى من ذكر اسمه، أن هناك ٣ أنواع من المستحقات للمصريين لدى العراق، هي مستحقات العمالة (الحوالات الصفراء)، والتحويلات، وودائع المصريين فى البنوك العراقية التى طالتها قرارات الأمم المتحدة بتجميد أرصدة تلك البنوك.

وقدر السيد مصدر قيمة الحوالات الصفراء وودائع المصريين فى البنوك العراقية قبل الغزو الأمريكى ومستحقات العمالة بنحو ٧٠٠ مليون دولار. فيما قدر مستحقات الشركات المصرية ضمن برنامج النفط مقابل الغذاء بنحو1,6 ملياردولار للمصدرين المتعاملين مباشرة فى العراق فضلا عن مستحقات المصدرين عبر الحدود الأردنية.

وجاء ذلك بعد شروع وزارة الخارجية باركهم الله في تذكر تلك المأساة عقد سلسلة اجتماعات لتحريك ملف مستحقات العمالة والشركات المصرية لدى العراق، بحضور ممثلين عن الشركات ووزارة القوى العاملة واتحاد الصناعات ووزارة التجارة والصناعة. ولم تذكر التقارير إن كان ضحايا الحوالة الصفراء ممثلين بما قد يشبه ممثلا عن نقابة العمال أو ما إلى ذلك، وهو أمر اعتيادي بطبيعة الحال أن تغيب حقوق العمال المصريين عن أي من مثل هذه الفعاليات.

ويذكر هذا الخبر الناقص، بقصة عشرات الآلاف من العمال المصريين الذين ذهبوا للعمل بالعراق منذ السبعينات وحتى غزو الكويت. حيث اضطروا جميعا للعودة معتقدين ان الحوالة الصفراء التي تعد وثيقة تفيد بأنهم قد حولوا عرق جبينهم إلى مصر ستنفعهم باي شيء. عم مرسي في الخمسينات من عمره سافر إلى العراق عاملا بسيطا عام 1977، أحبها كثيرا حيث وجد بين أهلها حبا واحتراما له فقط لكونه مصريا لم يجده في وطنه التي يتصادف أن تكون هي نفس البلد أحبوه هم. لم يريد أن يهرب كما هرب الجميع بعد غزو الكويت والرد الأمريكي بقصف العراق والعراقيين حتى الموت Bomb now, die later.

فقد المسكين كل حققه من نجاح هناك وفقد المنزل والعمل، لكنه كان دائما يعد نفسه محظوظا لأنه حول مبلغ 700 دولار إلى مصر قبل الحرب. قرر العودة بعد تردي الأوضاع في فترة الحصار الأمريكي وتجويع العراق وإمراضها قبل الغزو. كان قد تحصل على بيتا صغيرا لم يفكر في تجهيزه، هو اشبه بخراب مهجور. عاد ليعيش فيه ويرتب حياته من جديد بعد صرف الحوالة الصفراء والتحصل على تلك ال700 دولار اللعينة التي قد حولها إلى مصر عام 1987.

منذ 23 عام وعم مرسي في انتظار الحوالة الصفراء. سافر إلى بغداد دون العشرين من عمره وعاد بعد ثلاثين عاما يحاول إنهاء عقده الخامس حاليا، ولكن الحياة أصبحت أقسى من أن تيسر له ذلك. لا عمل، لا دخل، لا زوجة ولا ابناء. فقط رجلا دائم المزاح الغير راشد، الذي يؤكد أنه فقد جزء من عقله بعد أن أفنى حياته وثوقا في الورقة الصفراء.

الآن تتحرك وزارة خارجيتنا الموقرة بعد كل تلك الأعوام ويقولون أن الوقت الحالي قد يكون ملائما. أين كانوا عندما كان العالم ينهب ما يسمى تعويضات حرب العراق في أواخر التسعينات؟ أين كانوا عندما تم تعويض كل من هب ودب في إسرائيل عن “تضررهم” من تلك الحرب.

تخيلوا أن الخارجية الإسرائيلية نجحت في التسعينات في الحصول على تعويضات لصاحب محل ورود في أحد المناطق السياحية هناك، تضرر المسكين من انخفاض مبيعاته في فترة الحرب حيث انخفض عدد السائحين الوافدين إلى إسرائيل ياحرام، ونجحت الخارجية في جعل المجتمع الدولي يتحمل مسؤولته أمام كل ورة لم يشتريها السياح في إسرائيل.

خارجيتهم تعمل لصالح مواطنيهم بالطبع، أما خارجيتنا فتعمل فقط لصالح بقاء النظام. أما عم مرسي وبعد انقضاء 32 عاما على عودته لوطنه مازال يسأل كل من يرى بابتسامته الخالية من الأسنان الأمامية: ماسمعتش أي حاجة عن الحوالة الصفرا يابني؟

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.