تميزت بدايات القرن العشرين في العالم العربي بسطوع نجم بعض الزعامات الاقتصادية التي أخذت على عاتقها وبدون أطماع أو طموح سياسية النهوض باقتصاد أوطانهم والخروج من تبعية الغرب وتأكيد ندية المنافسة الدولية.
الصابونجي في الموصل ونوري فتاح في بغداد وشومان في فلسطين والأردن حميعهم تشابهوا في عملهم وأهدافهم الاقتصادية الوطنية تقريبا في نفس الوقت الذي خرج علينا فيه طلعت حرب “أبو الاقتصاد المصري” بفكرة بنك مصر وما صاحبها من مشروعات وطنية عملاقة حجما وتأثيرا.
ولم يكن طلعت حرب بعلامة اقتصادية تخرج من أحد جامعات أوروبا العريقة، بل التحق بالكتاب وحفظ القرآن وأتم دراسته بالمدرسة الخديوية في القاهرة، وبعدها دخل مدرسة الحقوق التي أتاحت له تعلم اللغة الفرنسية وإجادتها إلى جانب دراسته للقانون. وبعد تخرجه اتجه للعمل التجاري وفتح محلا للبقالة والألبان بحي العباسية، واكتسب خبرة في مجال البيع والشراء. وفي عام 1910 قرر مع عدد من التجار تأسيس ما أسماه وقتها شركة التعاون المالي.
مرت عشر سنوات اكتسب الرجل فيها خبرة اقتصادية دعمتها موهبة فطرية، ونما بداخله حسا وطنيا عميقا في بعده الاستراتيجي بعيدا عن الحلم بالنفوذ السياسي، وقرر إنشاء بنك مصر لكل المصريين وبأيديهم. وأسس بمحاذاته عددا من الشركات التي تخصصت بتقديم القروض للمشاريع الصناعية، وكان هدفه تخليص الاقتصاد المصري من أيدي الإنكليز واليهود.
ويعد طلعت حرب أول من وضع حجر أساس للنهضة الاقتصادية المعاصرة في مصر. وكان له دور سياسي لم يتعدى حلمه الوطني إذ عمل مع قادة الحزب الوطني ومنهم مصطفى كامل، ومحمد فريد. وحرص على تقوية علاقات مصر بالدول العربية الأخرى، وتركز ذلك في إقامة بعض المؤسسات المالية، وجعل من بيته أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين صالونا أدبيا وثقافيا زاره الكثير من الشخصيات العربية.
ويبدو أن الحالة الوطنية التي عاشها طلعت حرب كانت كافية لانطلاق الاقتصاد المصري للآفاق على الرغم من أنه لم يكن من جهابزة هذا العلم. قد يقول البعض أنه عصر مختلف وحساباته أيضا تختلف عن عصرنا الحالي وحكم دولة المؤسسات، وهذا بالطبع صحيح. صحيح أنه عصر مختلف، لكن دولة المؤسسات كانت موجودة على عهده ولم تكن مصر وقتها دولة قبلية يحكمها فردا بصورة مطلقة. بل إن طلعت حرب كان تحديه أكبر في التعامل مع دولة مؤسسات غير راضية عن مشروعه الذي لم يكن يرضي الغرب المسيطر على قرار الدولة الاقتصادي وقتها.
ربما أيضا يقول البعض أن السياسة الاقتصادية في عصرنا الحالي تحتاج متخصصا لم يبدأ خبرته كبقال كما فعل طلعت حرب وعليه أن يكون على درجة أكاديمية رفيعة من أجل النهوض بالبلاد. غير أن حقيقة علم الاقتصاد تتكشف يوما بعد يوم، وكارثة تلو الأخرى تشير أنه علم عاجزعن فهم الواقع ومصاب بعما مزمن يحجب عنه رؤية المستقبل. هو علم لا يزيد المتخصصين فيه غير غرور وهمي وتشدق بالنظريات المعقدة البعيدة عن أرض الواقع والتي فشلت معظمها في تفسير أبسط الظواهر الإنسانية.
والرأي هنا أنه يبدو أننا في حاجة لزعيم اقتصادي جديد قادر على بعث هذه الأرض الثرية بالخيرات والعقول، زعيم لا تتلخص قدرته في كونه عبقري أكاديمي تقلص دوره واختزل إلى موظف على قمة وزارة لا تخرج من كونها أداة سياسية في أيدى الأنظمة ذات أولويات أخرى. وإلى أن يأتي مخاض ذلك الزعيم ليس بوسعنا غير الترحم على أبو الاقتصاد المصري في زمن سيده التربح الفردي.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.