في إجابة عن سؤال لأحد مراسلي وكالة أنباء رويترز وجهه إلى وزير الخارجية اليمني أبو بكر القربي الأسبوع الماضي مستفسرا عن حجم المساعدات التي تحتاجها اليمن لانقاذ اقتصاد البلاد الذي يكافح زيادة حادة في عدد السكان وانخفاضا في عائدات النفط، أجاب “لست خبيرا اقتصاديا لكنني أعتقد أننا نتحدث عن نحو أربعة مليارات دولار سنويا”.

تلك الإجابة الغير محددة المعالم أو الغير مستندة إلى دراسة ما هي كل ما يحتاجه بلد ما للانهيار الفعلي، فكونه وزيرا للخارجية وليس للاقتصاد ليس مبررا باي من الأحوال للتصريح بمثل هذه المعلومات. لكن لسان حال الحكومة اليمنية مؤخرا يوضح حجم المازق السياسي والعسكري الذي يحتاج كثيرا من الدعم المالي المحبز أن يصل إلى خزانات الدولة في صورة دعم اقتصادي لحفظ ماء الوجه وسيادة النظام القائم.

وقبل الدخول في التفاصيل الاستراتيجية وشروط الدول والمنظمات المانحة، علينا مسبقا أن نطل في عجالة على حالة اليمن الاقتصادية التي تعاني من أمراض مزمنة لم تبرأ منها البلاد وباغتتها على حين غرة أزمتي الحوثيين والقاعدة الأخيرتين.

فنسبة البطالة في اليمن تتجاوز 40 بالمئة، فيما تقول التقارير الرسمية أن معدلات نسبة البطالة في اليمن وصلت إلى مستويات قياسية بلغت نحو 35 في المئة مقارنة بـ 16.7 بالمئة في العام الذي قبله. وكذلك تدني المستوى التعليمي للعمال حيث أن 62.3 بالمائة منهم يقل مستواهم عن التعليم الابتدائي، فضلاً عن انخفاض الاستثمارات المتوقعة بسبب الوضع السياسي الحالي، إضافة إلى تدني مستويات إنتاجية العمالة.

ونصف سكان اليمن يعيشون تحت خط الفقر، حيث أن 47 بالمائة من سكان اليمن الذي تجاوز تعدادهم 20 مليون نسمة يعيشون بأقل من دولارين في اليوم، فيما أن 18 بالمائة بأقل من دولار. وبين هؤلاء هناك 7,9 بالمائة يعيشون فقرا غذائيا مدقعا وفقا للمعايير الدولية.

وتؤكد التقارير أن الفساد في اليمن يشكل عامل كبح ومعوق لأية برامج إصلاح سياسي أو اقتصادي في ظل عدم فعالية الجهود الرامية إلى معالجته بسبب ضلوع شخصيات كبيرة في الدولة في عمليات فساد تساهم في تبديد نحو 60 بالمائة من الميزانية العامة للبلاد.

وعدم الاستقرار الأمني عامة والحرب في صعدة خاصة بعد أن أخذت أبعاداً جديدة بدخول المملكة العربية السعودية في الحرب بصورة مباشرة. إضافة إلى المخاطر التي تتهدد البلاد بسبب القاعدة ناهيك عن بعض أطراف في المحافظات الجنوبية تطالب بالانفصال.

وتعتبر اليمن هنا إحدى حالات “الدول الفاشلة” كما يعرفها علماء الاجتماع إثر تحولها لساحة حرب إقليمية أطرافها المملكة العربية السعودية، وبشكل غير رسمى إيران والولايات المتحدة، فى ظل رئيس حاكم بأدوات الديكتاتور الفرد منذ ثلاثة عقود.

وآخر الحلول الشائعة التي تلجأ لها مثل هذه الأنظمة هو طلب النجدة من الغرب الثري الطامع أبدا في فرض النفوذ والسيطرة على تلك الأشباه من الدويلات حتى ولو كانت بتاريخ اليمن وعراقته. فالبراجماتية العالمية المعاصرة لا تعرف قيمة لتاريخ أو حضارة.

ومن المؤسف أن كل الشروط متوافرة لغرق اليمن في “جيب” الغرب ودوله المانحة فيما يعرف بلعبة “المعونة الشرطية”. ففي مقابل كل دولار يدخل اليمن بغض النظر إن كان قد أودع في خزانة الدولة أو جيوب أحد الفاسدين، الأمرالذي لا يعني المانحين في شيء، سيضطر اليمن مقابله أن يقدم تنازلا ما.

وقوائم التنازلات التي وضعها الغرب منذ عقود والتي تزداد عاما بعد عام غنية وطويلة ريما بطول حدود البلاد الجغرافية. ربما تبدأ ببعض النصائح الاقتصادية رنانة الكلمات كإعادة الهيكلة وغيرها من الخدع اللفظية التي أنتجها البنك الدولي، وتنتهي أو ربما لا تنتهي بالتدخل في أدق خصوصيات المجتمع وإيمانياته التي أحيانا تعترض على بعض تفسيرات القرآن الكريم.

هو سقوط اجتماعي أعمق من سابقه إذا، قد بدأه اليمن بالفعل بمد بد السؤال (كمعظم الدول النامية) وقبول المعونة، بل انتظارها بشغف حال انعقاد مؤتمر لندن حول اليمن في الثامن والعشرين من الشهر الحالي الذي تعتبره الحكومة بمثابة القشة التي تتعلق بها بعد أن فقد السيطرة على كل شيء.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.