يبدو أن الأوروبيون ونحن مازلنا في بدايات العام الجديد قد عزمو النية على أن يكون ذلك عام التدخل والتطفل على سياسية مصر الزراعية الغير واضحة على أي حال. ففي يوم واحد تقرر شخصيتان مرموقتان من الاتحاد الأوروبي الدعوة إلى تعديل وتفعيل وتحرير القطاع الزراعي بمصر.
أولاهما السيد مارك فرانكو سفير الاتحاد الأوروبي الجديد في القاهرة، الذي يطالب البرلمان المصري بصوري جدية ومباشرة ضرورة تحرير تجارة المنتجات والحاصلات الزراعية بين مصر والإتحاد الأوربي بنسبة 90 بالمئة. وقد تحدث كذلك عن اتفاقيات تتعدى حدود نقل البضائع و الخدمات.
الأمر الذي يتيح على حد قوله للكيانات الاقتصادية المصرية للانتقال للسوق الأوحد للاتحاد الأوربي الذي يمثل في الوقت الحالي أكبر سوق يتيح حرية الانتقال للبضائع، والأشخاص، و الخدمات، ورؤوس الأموال، ويفتح المجال للوصول إلى 500 مليون مستهلك في 27 دولة.
ولم يكتفي السيد السفير بذلك بل بالغ في في مدى تحفز الأوروبيين في هذا الشأن معبرا عن استعداد الاتحاد الأوروبي للاستجابة، و مساعدة الجانب المصري من خلال خبراته و إمكانياته المتاحة في هذا المجال، إضافة إلى ميزانيته المخصصة للتعاون والتي تصل إلى 140/150 مليون يورو في العام.
وفي نفس اليوم ولا يبدو ذلك على سبيل المصادفة أتى السيد فرانسوا أوليفر العضو المنتدب لشركة “ماكرو” الألمانية وأحد أكبر شركات إنتاج وتجارة المحاصيل الزراعية في العالم، وبتحفظ شديد أعرب عن رغبة شركته في توسيع تعاملها مع القطاع الزراعي المصري على الرغم من عدم رضاها عن الأوضاع الزراعية في مصر.
وكانت الشركة قد أصدرت سابقا تقريرا أشارت فيه إلى الأوضاع الزراعية السيئة، مؤكدة أن الزراعة في مصر تعتمد على مياه ري ملوثة (مجاري)، وكذلك مبيدات محظورة دوليا. وأكد السيد أمين أباظة وزير الزراعة المصري الذي حرص على مشاركة السيد أوليفر في مؤتمرا صحفيا عقب الاجتماع الهام أن هناك بعض التجاوزات في القطاع الزراعي المصري.
وأوضح كذلك أن قطاع الزراعة في مصر مثله مثل أي قطاع زراعي على مستوى العالم، ولكنها تجاوزات فردية تحدث في أضيق نطاق، نتيجة بعض الممارسات غير السليمة لبعض الفئات. ولكنه لم يوضح أن تلك الفئات تشمل الحكومة نفسها على الرغم من وصفه لها بالفردية.
الغريب هو تلك “المصادفة المرتبة” أن يأتي سفير الاتحاد الأوروبي بتلك الدعوة الإصلاحية الزراعية وإغراءاته بملايين العم التي قد تتلقاها مصر في حال موافقتها على تلك الخطة، وفي نفس الوقت يأتي أحد ممثلي أكبرالشركات الزراعية في العالم ليعلن “على مضض” رغبته القوية في التعاون الزراعي مع مصر على الرغم من ري إنتاجها بمياه المجاري وإغراقه بالمبيدات الكيماوية المحرمة “لكن مفيش مشكلة”.
والأغرب أن تهتم أوروبا بالقطاع الزراعي المصري وتطالب بقوة بتحريره على الرغم من أن أوروبا تعد من أكبر الدول إنفاقا على دعم قطاعها الزراعي، الأمر الذي يجعله الأقل تحررا بالاتحاد. ألا يعد ذلك تناقضا في السياسة الأوروبية؟ ألا تعد هاتين الزيارتين في نفس الوقت أمرا يثير الريبة، وخاصة أنهم لن يستفيدوا من ذلك التحرير بصورة مؤثرة في ظل عدم واقعية فكرة أن المصريين قد يشترون جرجير صابح من فرنسا ب 2 يورو للحزمة (15 جنيه) أو فراولة ألماني ب15 يورو للكيلو ( 115 جنيه).
وفي المقابل لن يقبل المستهلك الأوروبي ولا حكومته أن يستوردوا من مصر فواكه وخضروات تحمل من السموم أكثر مما تحمل من الخير، فأمعائهم ليس كأمعائنا “تهضم الزلط”. لكن هذا التحرير المدفوع بقوة الإغراء بالمعونة على أيدي الدبلوماسيين المهرة، لن يجلب سوى مزيدا من عبثية القطاع الزراعي المصرى المفتوحة أسواقه أمام الجوافة الصيني لتغرق أكثر ربما بالخوخ الهندي على سبيل كسر الملل فيتحول الفلاح المصري إلى بائعا جوالا بالمدينة بدلا من أن يكون منتجا لقمح الكفاف.
نشر أولا بجريدة البورصة.