بعد مرور 40 عاما على تأسيس منتدى دافوس الاقتصادي على يد الألماني كلاوس شواب، وفي ظل سقوط الفكر القتصادي في في مأزق أيديولوجي بين ما هو صواب وما هو خطأ وكيف وصلنا إلى هذه المرحلة من التخبط، ألقى شواب كلمة دبلوماسية في افتتاح الدورة الحالية لهذا المنتدى العريق قائلا “إن الحكومات أبلت بلاء حسنا للحيلولة دون سقوط الاقتصاد في الهاوية العام الماضي لكن مهمة صعبة تنتظرها”.

لغة تقليدية يتبعها هذا النوع من خبراء الاقتصاد المخضرمين في الاعتراف بالمشاكل ومغازلة المكلومين من ضحايا العالم بوعود الحلول القريبة التي لا تخرج من ثلاجة الأفكار أبدا. الأمر الذي جعل لغة الحوار في تلك الدورة من دافوس مثيرة للانتباه بحدتها وتململها من تكرار عبارات التضامن الاقتصادية والتفاؤلات البلهاء.

وقد اقتنص الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وبجدارة على نجومية دافوس الأسبوع الماضي في هجومه المباغت والغير متوقع على الراسمالية حيث وصفها “بالنظام الجشع” وطالب العالم بشكل أكثر اعتدالا لاقتصاد السوق وتوجيهه دعوة لإصلاح النظام المالي العالمي.

الغريب في الأمر أن يأتي هذا الانتقاد اللاذع من دولة غربية كفرنسا تنتمي بشكل أو بآخر لنفس معسكر الرأسمالية، وبالأخص على لسان ساركوزي نجم الإعلام الفرنسي وأحيانا العالمي ذو القدرة العالية على ممارسة ألاعيب الرأسمالية البحتة في اتفاقاته الاقتصادية مع الدول النامية، والظهور بنفس الوقت كصوت معبرا عن فقراء العالم.

وخلال كلمته التي ألقاها أمام 2500 مشارك، وبدبلوماسية فرنسية قال ساركوزي إن هناك حاجة لمزيد من التنظيم في القطاع المالي”جزئيا”، من أجل إنهاء التبعات الخطيرة، مضيفا أنه متفق مع الدعوات الأخيرة للإصلاح من الرئيس الأمريكي باراك اوباما. في حين قد قاطعته الوفود المشاركة بالتصفيق الحار عندما تساءل مستهجنا “كيف يمكننا أن نتصور أنه في عالم تنافسي، يمكننا أن نصر على أن يكون لدى البنوك الأوروبية، رأس مال مضاعف بنسبة أربع مرات من أجل تغطية مخاطر أنشطتها في السوق؟”

وهنا علينا أن ننظر بوعي ودقة ليس للكلمات الرنانة فحسب، بل لقائلها كذلك وأي نظام يمثل، وما هو الحل الذي يقدمه؟ حيث يبدو أن هنالك نزعة رأسمالية جديدة لإعادة تشكيل الذات والتعايش مع الوضع الحرج بصورة تمجدها في قدرتها على نقد الذات، وبصورة أشبه بالتآمرية تطيل في عمرها بضع عقود أخرى من استغلال فقر الشعوب وسيطرة النظام العالمي الحالي بنفس والوجوه التي أرهقتها مساحيق التجمل بنصرة الضعفاء والمحتاجين.

فاللوم الذي وجهه ساركوزي للنظام المالي متمثلا في البنوك المحلية والدولية لم يكن هو صاحب الصوت العالي فيه، فقد شاركته الرأس رئيسة وزراء سويسرا وبعض الدول الأخرى إلى جانب الشخصيات الاقتصادية المرموقة غربيا، وكأن النظام المالي هذا قد قرر ورتب له أن يكون كبش الفداء المقدم قربانا لآمتصاص غضب شعوب العالم التي تعاني من نظام لم يشاركوا في وضعه، يستنزفهم في أوقات الاستقرار، ويجعلهم يدفعون ثمن إصلاح أخطاء الآخرين.

الآخرين الذين يمثلهم ساركوزي بكلماته الرنانة التي تدس السم في العسل وتدعي البراءة ونصرة المستضعفين، بعد كونها هي واضع نفس النظام المالي الواقع تحت هجوم النيران الصديقة مؤخرا. وعلى الرغم من صحة الاتهام بسودوية النظام المالي العالمي، غير أن العالم يبدو أنه على أعتاب مأساة تآمرية أخرى متمثلة في تلك الدعوة العابثة للزعيم الفرنسي قائلا ” اليوم، نحن بحاجة إلى بريتون وودز جديدة”. مع العلم بأن معاهدة بريتون وودز القديمة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، تعد من أكبر المؤامرات الاقتصادية في التاريخ الحديث، والتي كانت وراء تكريس إفقار الفقراء.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.