يبدو أن البناء فى مصر ظاهرة ثابتة تاريخيًا وروتين يومى مستمر. فعمليات البناء لم تتوقف قط، سواء لتشييد معابد مهيبة تمجيدًا لآلهة الفراعنة فى عصورهم الذهبية، أو لبناء قلاع تُرضى أمراء المماليك الذين نادرًا ما عرفوا السلم.
حتى الأزمة الاقتصادية لم تشكل تحديًا يصعب تجاوزه أمام قطاع البناء. فقد بدأ عام 2010 بمؤشرات نمو متفائلة، مدعومة بتقارير اقتصادية عززت ثقة السوق، بينما سجلت البورصة المصرية مكاسب تفوقت على غيرها من الأسواق الإقليمية.
وفى أحدث تقاريرها، رفعت شركة «هيرميس» توقعاتها لنمو هذا العام من 4.5% إلى 4.8%، ما يعكس تفاؤلًا أكبر مقارنة بالتقديرات السابقة. وعزت الشركة هذه النظرة الإيجابية جزئيًا إلى الأثر الإيجابى لقطاع التشييد والبناء على معدلات النمو، مدفوعًا باستمرار تركيز الحكومة على مشروعات البنية التحتية.
وأشار تقرير صادر عن مجلس الوزراء المصرى إلى ارتفاع معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى السنوى إلى 5.1% خلال الربع من أكتوبر إلى ديسمبر، مقابل 4.9% فى الربع السابق. وعزا التقرير هذا النمو إلى تقدم كبير فى قطاعات رئيسية مثل قطاع الضيافة (13.1%)، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات (12.8%)، وقطاع التشييد (11.5%).
وفى مؤتمر مائدة مستديرة نظمته وحدة الإيكونوميست للمعلومات فى 15 فبراير، أعلن وزير المالية يوسف بطرس غالى عن خطط لمشروعات عامة إضافية بهدف تعزيز الإنفاق الحكومى على الاستثمار. وتُعد هذه الجهود جزءًا من استراتيجية الحكومة لتحفيز الاقتصاد المحلى ودفع معدلات النمو لتتجاوز عتبة 5%. وأشار غالى كذلك إلى أن الحكومة تستهدف جذب استثمارات بقيمة تتراوح بين 20 إلى 25 مليار جنيه خلال السنوات الخمس المقبلة لهذه المشروعات.
وفى أحدث تقاريرها حول البنية التحتية فى مصر، سلطت مؤسسة «بيزنس مونيتور إنترناشونال» الضوء على أهمية الاستثمارات فى قطاع الطاقة، مشيرةً بشكل خاص إلى دور البنك الدولى فى هذا المجال.
ففى أكتوبر الماضى، أعلن البنك الدولى عن حزمة تمويل بقيمة 3.4 مليار جنيه (أى ما يعادل 624 مليون دولار أمريكى) لمشروع محطة الكهرباء المزمع إنشاؤها فى شمال الجيزة. كما قدم البنك بالفعل 50 مليون دولار أمريكى لتمويل أول محطة طاقة شمسية فى مصر، والتى يتم إنشاؤها فى الكريمات، ما يعكس توسع قدرات البلاد فى مجال الطاقة المتجددة.
من جانبه، أكد الدكتور أحمد معطر، رئيس الاتحاد العربى للتنمية العقارية، أن العامل السكانى يُعد محركًا رئيسيًا لنمو قطاع التشييد.
وقال مطر: «هناك طلب حقيقى ومتزايد على الإسكان بسبب معدل النمو السكانى السنوى الذى يبلغ 2.1%، وهو ما يعنى إضافة 1.4 مليون نسمة سنويًا، يحتاجون إلى 600 ألف وحدة سكنية جديدة».
وأشار مطر أيضًا إلى أن الاستثمار والادخار فى العقارات على مدار الخمسين عامًا الماضية قد حققا عوائد تتفوق بانتظام على الأسواق المالية المحفوفة بالمخاطر والبنوك التى تعانى لمجاراة التضخم.
وعزا مطر سببًا إضافيًا لهذا النمو إلى ارتفاع أسعار النفط، لا سيما فى المنطقة العربية، حيث يُستخدم قطاع البناء كقناة لامتصاص السيولة الفائضة فى السوق.
وأضاف: «للملكية العقارية أهمية ثقافية أيضًا، وهو ما يُفسر هذا النمو»، مشيرًا إلى العالم العربى عمومًا، حيث يسهم قطاع التشييد والعقارات بحوالى 18% من الناتج المحلى الإجمالى. كما استشهد بالأغنية الشعبية «عواد باع أرضه»، والتى تعكس القيمة الاجتماعية العميقة للأرض.
أما عمرو سليمان، العضو المنتدب لشركة «ماونتن فيو مصر»، فقد أكد بدوره على أهمية العامل السكانى كدافع أساسى لنمو البناء، مشيرًا إلى أن الطلب لم يتم تلبيته بشكل كامل أبدًا. ولفت إلى أن المدن الجديدة التى تم تشييدها فى مصر تُعد أيضًا من العوامل المهمة التى تُسهم فى هذا النمو.
لعبة الإنفاق: حزم التحفيز ونظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص
فى اقتصاد نامٍ سليم، تتمثل مهمة الحكومة فى إقامة بنية تحتية موثوقة للنمو. ويتعين على المستثمرين اغتنام هذه الفرص، بينما يسعى المواطنون نحو حياة أفضل، تتضمن فى حدها الأدنى الحصول على سكن ملائم — أو مأوى من أى نوع فى بعض الأحيان.
فى الحالة المثالية، تتحمل الحكومة مسؤولية توفير قاعدة صلبة لكل من العاملين فى قطاع البناء والمستهلكين، تعزز النمو الاقتصادى وتحسن حياة الأفراد. ويتضمن ذلك ضمان توفر المياه والصرف الصحى، ومحطات الطاقة، ووسائل النقل، إلى جانب خدمات أساسية أخرى داخل المساكن.
وفى الآونة الأخيرة، استثمرت الحكومة فى هذه القطاعات، إلى جانب تحديث وتوسعة المطارات والموانئ وشبكات الطرق.
وقد برزت حزم التحفيز الاقتصادى ونموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص كإستراتيجيتين رئيسيتين للتخفيف من آثار الأزمة الاقتصادية على الداخل.
وقدمت شركة بلتون تقريرًا ماليًا ذا طابع اجتماعى عن عام 2009، ألقى الضوء على توجهات محتملة لعام 2010. وكما كان متوقعًا، سلّط التقرير الضوء على حزم التحفيز المالى التى بلغ إجماليها 33 مليار جنيه، والتى نفذتها الحكومة خلال عامى 2008/2009 و2009/2010. وأسهمت هذه الإجراءات فى تعزيز الطلب المحلى، ما ساعد على دفع عجلة النمو الاقتصادى.
وفى مؤتمر المائدة المستديرة ذاته، أعلن وزير المالية يوسف بطرس غالى أن الفترة القادمة ستشهد توسعًا فى المشروعات العامة وفق استراتيجية الشراكة بين القطاعين العام والخاص. وأكد أن هذه السياسة لن تؤثر سلبًا على مستويات العجز أو الدين العام، إذ ستتولى الخزانة العامة إدارة السداد على المدى الطويل.
وأشاد عمرو سليمان باستراتيجية الشراكة، قائلاً: «يجب أن تلعب الحكومة دور المنظم، وستنجح بلا شك كما حدث فى المغرب، حيث نما القطاع الخاص وساند الحكومة».
أما الدكتور أحمد أنيس، المدير السابق لمركز خبراء التقييم العقارى بجامعة القاهرة، فأبدى تشككه حيال مدى حداثة هذه السياسة، قائلاً: «هذه سياسة عالمية متعارف عليها فى أوقات الركود، وليست أمرًا فريدًا فى مصر. ففى مثل هذه الأوقات، يُعد الاستثمار فى البنية التحتية الحل الأكثر شيوعًا، لأنه يوفر فرص عمل ويوسع الخدمات العامة لدعم النمو».
لكن الدكتور أحمد مطر انتقد حجم حزم التحفيز المعلنة، قائلاً: «هذه الحزم لا تزال محدودة نسبيًا مقارنة بسوق عقارية تقدر قيمتها بتريليون جنيه».
السياحة: المحرك الدائم لقطاع البناء
لطالما كانت مصر واحدة من الوجهات السياحية الأكثر شعبية على مستوى العالم. فالأمريكيون والأوروبيون والعرب يواصلون التوافد إليها لأسباب متنوعة — سواء لسحرها الشرقى، أو لتكاليفها المنخفضة، أو فى حالة العرب، للغة المشتركة والتقارب الثقافى.
وتظل حركة البناء على سواحل مصر الشمالية والشرقية قوية، بدفع من مستثمرين محليين وأجانب يسعون لتلبية الطلب المتوقع من السياحة.
وطالما استمرت مصر فى الحفاظ على جاذبيتها كوجهة سياحية، ستظل السياحة قوة دافعة رئيسية لقطاع البناء، تسهم فى تشييد الفنادق والمنتجعات والبنية التحتية اللازمة.
وكان عام 2008 عامًا ذهبيًا لقطاع السياحة، إذ استقبلت البلاد 12.8 مليون زائر، وارتفعت الإيرادات بنسبة 32% لتصل إلى 11 مليار دولار أمريكى — ما يعادل نحو 7% من الناتج المحلى الإجمالى و19% من إجمالى حصيلة النقد الأجنبى فى ذلك العام.
ويؤمن الدكتور أحمد أنيس إيمانًا راسخًا بوجود علاقة وثيقة بين السياحة والتشييد، قائلاً: «معظم المشروعات فى الأساس موجهة نحو السياحة، إذ إنها الخيار شبه الوحيد المتاح أمام المستثمرين، نظرًا لارتباطها القوى بطلب السياحة، بينما تهيمن الحكومة على قطاعات التشييد الأخرى».
ليست جزيرة معزولة: الصناعات المغذية
يؤدى النمو فى قطاع التشييد وسوق العقارات بطبيعة الحال إلى زيادة الطلب على المدخلات التى تحرّك هذه الصناعات، وهو ما يؤدى غالبًا إلى زيادة المعروض، وارتفاع الأسعار، أو، وهو الأكثر شيوعًا، مزيج من الاثنين معًا.
وتُعد صناعة الأسمنت من بين أكثر القطاعات ارتباطًا بالبناء، إلى جانب الحديد والصلب ومواد أساسية أخرى.
وخلال منتدى دافوس الاقتصادى العالمى، أعلن وزير التجارة والصناعة رشيد محمد رشيد أن مصر ستُصدر تراخيص مبدئية لإنشاء ثمانية مصانع جديدة للأسمنت، معربًا عن أمله فى أن تبدأ هذه المصانع الإنتاج بحلول عامى 2014 أو 2015، لتلبية الطلب المحلى المتصاعد، والذى ارتفع بنسبة 16% فى عام 2009.
ونقلت وكالة رويترز عن رشيد قوله: «سوف نصدر ثمانية تراخيص مبدئية، بطاقة إنتاجية لكل مصنع تبلغ 1.5 مليون طن من الأسمنت، وذلك خلال النصف الأول من هذا العام على الأرجح».
وفى الأثناء، أفادت وسائل إعلام محلية أن شركتى أسمنت السويس وأسمنت العامرية قررتا رفع الأسعار بمقدار 22 جنيهًا للطن، ليصل السعر إلى 455 جنيهًا، لكن بعد تحذير حكومى، تراجعت الشركتان عن قرارهما.
وأكد المستشار القانونى للوزير، هشام رجب، هذا التطور بقوله: «أعلنت شركتا السويس والعامرية تراجعهما عن قرار رفع الأسعار استجابةً للتحذير الحكومى».
وفى قطاع الحديد، تتخذ الأمور طابعًا أكثر تعقيدًا، وسط صراع محتدم بين المنتجين المحليين الذين يسعون إلى حماية حكومية، والمستوردين الذين يرون أن الحديد المحلى مبالغ فى سعره.
وقد ارتفع الطلب على الحديد بالتزامن مع انتعاش حركة البناء، لكن الإنتاج المحلى لم يتمكن من تلبية هذا الطلب بشكل كامل، ما دفع الحكومة إلى رفض مطالب بفرض إجراءات حمائية على الواردات، خصوصًا من تركيا وأوكرانيا، واللتين تبيعان بأسعار تقل بنحو 200 جنيه للطن.
وتصاعدت التوترات حين تقدم بعض المستثمرين المحليين بشكاوى إغراق ضد الحديد التركى، باعتباره المصدر الرئيسى للواردات.
وتتجاوز علاقة صناعة التشييد بالصناعات المغذية حدود الأسمنت والحديد لتشمل طيفًا واسعًا من القطاعات المرتبطة.
ويشير الدكتور أحمد معطر إلى هذا الأثر الإيجابى بقوله: «قطاع البناء يُحرّك 96 صناعة، تبدأ بالأسمنت والحديد وتنتهى بالكابلات الكهربائية وخزانات المياه».
ويوافقه عمرو سليمان الرأى، متوقعًا زيادة فى الأسعار ونموًا فى الصناعات المغذية للتشييد، لكنه يضيف: «النمو أمر جيد فى جميع الأحوال، لكن على الحكومة أن تحافظ على التوازن».
جنة عقارية؟
بالنسبة لدولة مثل مصر، يزيد عدد سكانها على 80 مليون نسمة وتتمتع بتاريخ طويل من التطوير العمرانى، يفترض أن يكون سوق العقارات فيها واسعًا بطبيعته.
وقد أفادت الشبكة المالية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENAFN) فى بيان صحفى بأن إجمالى الثروة العقارية فى مصر يُقدّر بنحو تريليون جنيه (270 مليار دولار أمريكى)، وتشمل المبانى السكنية والتجارية والإدارية.
ويُبرز هذا الأصل الضخم الحاجة إلى سوق رهن عقارى نشطة وقوية، تتكامل مع هذا القطاع الكبير. إلا أن السوق الحالية للرهن العقارى لا تتجاوز قيمتها 716.5 مليون دولار أمريكى، مع توقعات بأن تصل إلى 1.7 مليار دولار بحلول عام 2013.
وفى حديث لصحيفة «الرؤية» الإماراتية، صرح عمرو عزت، المدير السابق للمركز القومى لبحوث الإسكان والبناء، بأن قطاع التشييد يوظف أكثر من أربعة ملايين عامل، وإذا ما حصل هؤلاء على الدعم المناسب، فإنهم قادرون على تحقيق عوائد اجتماعية واقتصادية ضخمة.
وأضاف عزت أن وزارة الإسكان تعمل حاليًا على تنظيم القطاع من خلال إصدار قوانين تهدف إلى حماية الثروة العقارية، وإطلاق مشروعات سكنية لسد الفجوة بين العرض والطلب على الوحدات السكنية.
ورغم صعوبة تقدير تلك الفجوة بدقة، إلا أنها غالبًا ما تُقدّر بنحو 60%، ما يعكس وجود طلب يفوق العرض بكثير فى سوق الإسكان.
ويرى الدكتور أحمد مطر أن سوق العقارات واعدة للغاية، مشيرًا إلى أن التعداد السكانى الكبير والمتزايد باستمرار هو المحرك الرئيسى لهذا النمو. وقال: «الأسعار ستواصل الارتفاع، ومن المرجح أن نشهد قفزة كبيرة فى 2012».
ومن جانبه، أشار عمرو سليمان إلى أن الطلب الحالى قوى، وأن الأسعار ترتفع تدريجيًا، لكنه شدد على ضرورة تدخل الحكومة لإطلاق الإمكانات الكاملة للقطاع، قائلاً: «نحتاج إلى تنظيم أفضل، وتعليم، واستثمار أكبر فى السياحة، وجذب التمويل الأجنبى».
أما الدكتور أحمد أنيس، فقد أعرب عن ثقته القوية فى العقارات كقناة استثمارية، قائلاً: «لا تزال مصر حديثة العهد بالاستثمار فى البورصة وغيرها، لكن العقارات دائمًا ما كانت ولا تزال الأكثر أمانًا والأعلى طلبًا، وستواصل النمو، بل وقد تتسارع وتيرته فى المستقبل القريب».
جدل ضريبى جديد
قليلة هى القوانين التى أثارت جدلًا مثل قانون الضريبة العقارية الجديد. فقد قوبل بمعارضة واسعة، شملت أصحاب القصور الفاخرة على الساحل الشمالى، وكذلك ملاك العمارات السكنية المتواضعة فى صعيد مصر.
ورغم أن قوانين الضرائب العقارية ليست جديدة فى مصر، إذ تعود إلى القرن التاسع عشر، بل وربما إلى ما قبله، فإن صدور القانون بصيغته الحالية، دون إعفاءات للعقارات السكنية غير المدرة للدخل، أثار توترات سياسية ملحوظة، حتى بين مسئولى الحكومة وأعضاء الحزب الوطنى الديمقراطى.
ويُعتقد على نطاق واسع أن الحكومة، بعد تنفيذها لحزم التحفيز، تسعى الآن إلى مصادر جديدة للإيرادات لمواجهة العجز المتوقع فى الموازنة، ما أثار استياء المواطنين الذين يشعرون بأنهم يتحملون عبء أزمة لم يكونوا سببًا فيها.
لكن المفاجئ أن المستثمر العقارى عمرو سليمان يعتبر الضريبة عادلة، قائلاً: «الطبقات محدودة الدخل ستستفيد من هذه الضريبة، لكن المشكلة فى طريقة تناول الإعلام لها».
أما الدكتور أحمد أنيس، فرغم عدم اعتراضه على مبدأ الضريبة العقارية، فقد انتقد صياغة القانون، قائلاً: «فيه عيوب قانونية كثيرة وسيتعرض للطعن من جانب القانونيين. كان يجب دراسته بشكل دقيق قبل إصداره، ولا أظن أنه سيمر بصيغته الحالية».
بينما قدم الدكتور أحمد معطر انتقادًا أكثر حدة، مكتفيًا بالقول: «قانون سئ، فى توقيت سئ، ووزير سئ».
تحديات أخرى باقية
الضريبة العقارية ليست سوى آخر سلسلة من التحديات التى يواجهها قطاع البناء. فهناك قضايا أخرى، كالقوانين البالية، بحاجة إلى معالجة وإصلاح لتواكب هذا القطاع الكبير المتنامى باستمرار.
وقد تناولت دراسة بعنوان «دور الإطار المؤسسى لقطاع البناء فى مصر»، أعدتها الباحثة شيماء سراج بجامعة القاهرة ووزارة التجارة والصناعة، الحاجة إلى تطوير وإصلاح الأطر التشريعية والمؤسسية المنظمة للقطاع. وأكدت الدراسة أن تحرير القطاع وحده لا يكفى، بل يجب إجراء إصلاحات حقيقية لضمان استغلال كامل لإمكاناته.
وأوصت الدراسة بتعديل التشريعات المصرية لتتوافق مع الالتزامات الدولية، واقترحت إنشاء «المجلس الأعلى للبناء»، يضم ممثلين عن كل الجهات المعنية، ويكون مسئولًا عن متابعة نمو القطاع.
كما اقترحت سراج أن تتحمل الدولة سداد مستحقات شركات البناء، وأن توفر تغطية لمخاطر المقاولين من خلال هذا المجلس.
وتظل القضايا القانونية والتنظيمية من أبرز المخاوف التى تثير قلق المستثمرين والخبراء، إذ تُعد العائق الأول أمام تحقيق نمو يتماشى مع حجم السوق.
وانتقد الدكتور أحمد معطر سياسة الحكومة فى تخصيص الأراضى للاستثمار، واصفًا إياها بالضعيفة، كما أشار إلى بطء إصدار تراخيص البناء، وغياب التنظيم عن سوق السماسرة، باعتبارها عقبات كبرى.
أما عمرو سليمان، فقد لفت الانتباه إلى ممارسات غير عادلة فى سوق الأراضى، حيث يشترى البعض الأراضى لأغراض المضاربة، ويحققون الأرباح من ارتفاع الأسعار الناتج عن جهود تطوير يبذلها آخرون.
وقال: «ينبغى على الحكومة ألا تبيع الأراضى إلا للمطورين، لا للمضاربين».
نظرة إلى مستقبل القطاع
رغم التخبط والفجوات التشريعية، لا يزال قطاع التشييد يُنظر إليه باعتباره نشاطًا آمنًا ومربحًا، يجتذب المستثمرين على اختلاف التحديات.
وفى تقرير «بيانات وتوقعات سوق التشييد فى مصر حتى 2013» الصادر عن مؤسسة وورلد ماركت إنتليجنس، تم تسليط الضوء على كيفية استثمار الحكومة المصرية لمكانة البلاد كوجهة سياحية إقليمية، لتعزيز النشاط التشييدى.
وتشمل مجالات النمو الرئيسية توسعات المطارات، وتشييد المنشآت السياحية، والتنمية الصناعية، وتوسيع البنية التحتية للمياه والطاقة.
كما أبرز التقرير قطاع الإسكان، الذى جذب استثمارات كبيرة من القطاع الخاص، ومن المتوقع أن يواصل جذب مزيد من الاستثمارات.
وكان النشاط الإسكانى يتركز سابقًا فى الساحل الشمالى والبحر الأحمر، لكنه امتد الآن ليشمل المدن السكنية والصناعية الجديدة فى مختلف أنحاء البلاد.
وتُشير هذه الاتجاهات إلى إمكانات ضخمة فى قطاع البناء، الذى يحقق عوائد مرتفعة على رأس المال المستثمر.
ويظل عمرو سليمان متفائلًا للغاية بشأن مستقبل القطاع، قائلاً: «دائمًا سيجد المستثمرون أراضى لمشروعاتهم، وستُخلق وظائف، وسيستفيد الاقتصاد ككل بالتأكيد».
كما يشارك الدكتور أحمد معطر هذا التفاؤل، مشيرًا إلى التركيبة السكانية كعامل حاسم. وقال: «البلد بحاجة ماسة إلى بنية تحتية. أرى أن أفضل استراتيجية لبناء شبكات طرق وجسور وموانئ وغيرها لـ80 مليون نسمة هى نموذج البناء والتشغيل والتحويل (BOT)».
ويبدو أن التفاؤل بشأن مستقبل التشييد هو السائد بين الخبراء، كما يتجلى فى إجابة كل من معطر وسليمان عن سؤال منفصل حول آفاق القطاع: «ممتاز».
هذا المقال نشر أولاً بمجلة بيزنس توداى.