عاد الحديث عن الخصخصة وجدواها من جديد، وبالطبع عاد الهجوم عليها وعلى من اخترعها وأدخلها البلاد ونادى بها وشجعها والكل كليلة. ولكنه حديث ليس بالجديد في مجمله، فالخصخصة هي دائما من يتلقى كل الضربات الموجهة للحكومات منذ بداية التسعينات، ممن يعرف ومن لا يعرف. فلكل الحق في الكيل بما فتح الله عليه من علم الكلام.
غير أن الحكومة، كغيرها من الحكومات في حالة دفاع دائمة عنها، أو ربما كانت! فالحديث الاقتصادي هذه الأيام بغض النظر عن الأزمة وتبعاتها والخروج المشرف منها والحمد لله، يستولي على معظم منابر المؤتمرات الاقتصادية وحتى غير الاقتصادية بدرجة أصابت المتلقين بالرتابة. وربما هو الدافع وراء هذه النبرة الجديدة الحكومية تجاه الخصخصة كمبدأ يبدو أنهم أقسموا يمينا مغلظا للمؤسسات الدولية على المضي فيه حتى آخر موظف حكومي.
وفجأة يصرح السيد محمود محي الدين وزير الاستثمار أنه يرفض مبدأ تأميم الشركات الخاصة الخاسرة فيما يمثل نوع جديد من الخطاب الاقتصادي الذي لم يكن مألوفا على الأقل في العشرين عاما الماضية. فماذا كان الداعي لذكر هذه الكلمة التي أصبحت “بغيضة” ومرفوضة منذ عقود وعودتها إلى لغة الخطاب الرسمي حتى ولو برفضها.
يبدوا فعلا أن ما أحدثته الأزمة الحالية هو كسرا لحاجز التردد في التعبير عن رفض ممارسات الكثير من شركات القطاع الخاص بصفة عامة، وفقدان الصبر على تحمل مآسي الكثير من الشركات الحكومية الأخرى التي تم خصخصتها على وجه التحديد. التى لفظت عمالها إلى شوارع الاعتصامات بعد فقدان كل شيء.
وحديث السيد الوزير هنا يبدو أنه ردا الدكتور فتحى سرور رئيس مجلس الشعب الذي أكد أن المجلس لن يقف مكتوف الأيدى أمام عمال يستنجدون به، ولابد أن تتخذ الحكومة إجراءات عاجلة وحاسمة ويمكن تأميم الشركة إذا دعت الضرورة إلى ذلك، على حد قوله. والذي اضاف أيضا أن مجلس الشعب يريد أن يرى أنياب الحكمة فى التعامل مع المستثمرين وليس معنى تشجيع الخصخصة أن نترك المستثمرين يعبثون.
وقد جاء هذا التصريح بدوره كرد فعل لما جاء على لسان النائب حمدين صباحى عندما طالب مجلس الشعب بالتدخل لاتخاد ما يلزم من إصدار تشريعات تمكن الحكومة من التصدى للمستثمرين. والذي تساءل أيضا هل من حق مصر تأميم الشركة التى اشتراها المستثمر السعودى، ورد النواب وإذا كان هذا ممكن لماذا لا تفعل الحكومة.. وإذا كان هذا غير ممكن لماذا لا يقوم المجلس بدوره ويصدر تشريعا يمكن الحكومة من فعل ذلك وصيانة حقوق العمال.
فالكل أصبح يتكلم والكل أصبح يطالب “بعودة المارد إلى قمقمه”. غير أن ما يحدث في حكايات ألف ليلة لا يعني بالضرورة جواز حدوثه بالواقع. فليس كل مارد قادر على العودة لمحبسه وليست كل شركة حكومية قد خصخصت قادرة على العودة لجنة القطاع العام الوهمية، وسط تخبط الحكومة فيما يمكن أن تفعله إزاء إيمانها بالخصخصة “طريق الخلاص” وأزمة إرث ثقيل لعمليات من الخصخصة الغير مدروسة التي زجت بعمال مصر إلى أرصفة الاعتصام أمام مجلس الشعب.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.