بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتفرد الولايات المتحدة بقيادة العالم بمعاونة بعض الحلفاء الشكليين كبريطانيا وفرنسا والكثير ممن أطلقوا الولاء لأفكار شرطي العالم الجديد، تعالت نبرة الحديث عن التكنولوجيا العسكرية وتنمية وتحصين الجيوش الوطنية على أنها خطيئة إنسانية تعيق مسارات التنمية التي تبشر بها تلك القوى المهيمنة على النظام العالمي.
مصطلحا عاديا مثل Military Buildup أو التعزيز العسكري، الذي يقصد به تحصين الدول عسكريا لذاتها، والذي يعد كذلك أحد بديهيات دورها لفرض السيطرة والحماية على أراضها ومصالحها الوطنية، جعل منه “بعبعا” تخشى كل الدول التورط فيه أو الإشارة إليه بصورة منفتحة، بعد أن نجحت القوى العظمى في تجريمه ونعت كل من “يتورط” في ممارسته بعدو التنمية.
صحيح أن هنالك الكثير من الدول التي قد تورطت وسقطت في عمليات استيراد واسعة استنزفت مواردها من أجل هاجس عسكري غالبا ما يكون وهميا أو مصطنعا بفعل نفس الدول الكبرى، غير أن مبدأ التنمية العسكرية لا ولن يخرج ابدا من كونه حق ذاتي لا يحق لأي دولة أخرى التدخل فيه أو إبداء الرأي طالما روعيت حقوق الدول الأخرى. لكن تلك القوى دائما تشجع على استيراد السلاح وتحارب تصنيعه خارج بلادها لأغراض سياسية واقتصادية أصبح الجميع يفهمها.
أما في في مصر وفي الأسبوع الماضي طالعتنا الصحف المحلية والدولية بخبر هام يعد بخطوة استراتيجية ونوعية على مساري الأمن القومي وتسارع دور التكنولوجيا في تحفيز عملية التنمية.فقد تسلمت القوات الجوية المصرية الطائرة رقم 120 من طراز “كى- 8- إى” التي أنتجتها الهيئة العربية للتصنيع بمصنع الطائرات بالتعاون مع الصين، وبعمق تصنيع زاد عن 94 %من الهيكل علاوة على إنشاء مركز لبحوث الطيران فى إطار نفس البرنامج بغرض إعادة إحياء صناعة الطيران المصرى وذلك من خلال برنامج لنقل التكنولوجيا بشكل متدرج.
وتمتلك الحكومة المصرية بموجب التعاقد مع شركة ” كاتيك الصينية ” الرخصة المطلقة لتصنيع الطائرة وتسويقها بالدول العربية والأفريقية، وحصل مصنع الطائرات على شهادة “إي. إن 9100 “، والخاصة بالصناعات المغذية للطائرات مما يمكن المصنع من التعامل كمورد لقطع غيار الطائرات لكبرى الشركات العالمية في هذا المجال.
الأمر بديهي في إيجابيته على مستوى أهمية التسلح في حدود حماية الأمن القومي وفرض قوة الدولة على حدودها مع الموازنة بين استيراد ماهو غير متاح محليا والتحول إلى التصنيع الوطني العسكري للخروج من دائرة السقوط في عجز الموازنات التجارية أو التفاوض مع قوى لاتريد نهضة لتلك البلد. هو بالفعل أمر إيجابي بكل المقاييس، وبالأخص لو تحول إلى نشاط تصديري كما هو مزمع مع برنامج تصنيع هذه الطائرة الجديدة.
الأمر الثاني والذي يعد أكثر أهمية على الرغم من كونه غير مباشر، هو ما يسمى Technology Spillover أو امتداد التكنولوجيا. فما حدث في كثير من دول العالم الثالث التي استطاعت أن تحتسب التقدم التكنولوجي في الصناعات العسكرية كأحد روافد التنمية دليلا على أهمية هذا العنصر الفاعل بغض النظر عن محاولة الدول الكبرى تجريمه وتقبيحه على أنه عدو للتنمية كما تدعي. فالبرازيل وتشيلي والهند وسنغافورة وغيرها من الدول بغض النظر عن الصين ذات الطبيعة الخاصة كدولة شيوعية ضخمة يصعب المقارنة بها. كلها دول ركزت على التكنولوجيا العسكرية كأحد خطط التنمية ذات المردود المدني والسلمي.
فبمنتهى البساطة قامت هذه الدول بالاستثمار في برامج تصنيع وتطوير أسلحتها بأيد وطنية من داخل مؤسساتها العسكرية. الأمر الذي لم يستنزف الكثير من الأموال حيث الخبراء العسكريون وعلماء القوات المسلحة والأيدي العاملة كلها مدخلات صناعية مجانية أو شبه مجانية، حيث أن هذا هو دورها البديهي في الخدمة العسكرية.
بالفعل نجحت تلك الدول في تصنيع الكثير من احتياجاتها العسكرية وتوفير أموال طائلة كانت توجه لاستيرادها، ونجحت أيضا في التربح من تصدير الفائض من هذا الإنتاج، والأهم من ذلك كله هو نقل تلك التطبيقات التكنولوجية المكتسبة من قطاعات التصنيع العسكري إلى القطاعات الصناعية المدنية الأخرى بصورة مباشرة ومنظمة، وكذلك بصورة غير مباشرة تمثلت في كفاءة العمالة التي أنهت خدمتها العسكرية وعادت لحياتها المدنية بعد اكتساب مهارات تكنولوجية وصناعية متقدمة لا يوجد جدال على إفادتها للمجتمع المدني بصورة بالغة تدفع التنمية البشرية والاقتصادية دفعا مازالت القوى الكبرى ترفض الاعتراف به، بل وتحاربه.
هذا المقال نشر أولا بجريدة البورصة.