حفل الأسبوع الماضي بالعديد من ردود الأفعال الدولية والمحلية المتوقعة منها وغير المتوقعة. المتوقع من الولايات المتحدة الأمريكية تجاه إسرائيل ابنتها الغير شرعية أن تكون دائما في صفها مهما بلغ حجم الجريمة في حق الإنسانية ومهما بلغ مستوى تحديها للقوانين الدولية التي لا تفرض سوى على ضعفاء هذا العالم. وهذا ما حدث بالفعل بعد اعتداء القوات الإسرائيلية على أسطول الحرية فى المياه الدولية. قتل من قتل، وأصيب من أصيب، ولا عزاء لوفاة الأمم المتحدة المتواطئ الصامت مع سفاحي هذا العالم.
الكلام كثير والتحليلات أكثر، والإعلام العالمي هذه المرة، لم يجد بدا من اتخاذ موقف من هذه المجزرة حتى ولو على استحياء. لم يكن من المتوقع أن تهاجم قنوات غربية تلك الغطرسة الإسرائيلية المعتادة بهذا الزخم الذي أحرج إسائيل بشدة أمام حلفائها المعهودين. بل إن الصحافة الإسرائيلية نفسها، لم ترحم حكومتها واتهمتها بسوء التخطيط والفشل في إدارة الأزمات.
غير أن هنالك حدث صغير في كل تلك الفوضى الإنسانية قد يكون جاذبا لانتباه الباحثين والمكافحين من أجل دعم الديمقراطية في بلادنا العربية. فقد كان على متن إحدى سفن الحرية المتوجهة إلى غزة شخصيتان عربيتان لهما كثير من الأهمية. الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية في الداخل (إسرائيل)، وحنين زعبي عضو الكنيست، وكلاهما فلسطيني يحمل الجنسية الإسرائيلية لكونهما من أبناء الخط الأخضر المحتل منذ عام 1948 داخل اسرائيل حاليا.
أفرج على الفور عن حنين زعبي وتبعها يوم الخميس الشيخ رائد صلاح، وذلك على الرغم من كونهما أحد اعداء النظام الإسرائيلي والداعين إلى سقوط الدولة العبرية وتحرير فلسطين. فهل هذا هو العدل والحرية في التعبير التي نحلم بها كعرب داخل أوطاننا مستشهدين بإسرائيل التي تسمي نفسها، ويسميها الغرب “واحة الديمقراطية” في الشرق الأوسط؟
لقد علا الجدل في الأيام الأخيرة بين بين المثقفين المهتميم بسفسطة الحديث والتباهي بالمعرفة أكثر من الفعل والاندماج الحقيقي في مجتمعاتهم، حول قضية الديمقراطية وممارساتها داخل إسرائيل ومقارنتها بالعالم العربي، وليد الديمقراطية أو بالأحرى في حالة إجهاض قسري بفعل السلطة المطلقة. وكانت بالفعل هنالك نبرة من الإعجاب أو التعجب من نموذج الديمقراطية تلك التي سمحت للزعبي وصلاح بالمشاركة في أسطول الحرية ومن ثم الإفراج العاجل عنهم بعد ذلك والعودة للحياة السياسية المعادية لهذا النظام.
لكن أليست تلك النظرة قاصرة ومحدودة في مفهومها للديمقراطية التي يجد أن تكون مبدأ عاما تجاه البشر وليست ممارسة انتقائية على نطاق داخلي فقط لا يتمتع به سوى شرائح محددة، أما البقية الباقية فلا تعرفهم الرحمة ولا تجد طريقها لهم؟
الحق هنا أن هذا النوع من الديمقراطية التي ينبهر بها البعض من المثقفين ويجدونها نموذجا أفضل حالا من مأساتنا العربية، لا يمكن أن نسميه ديمقراطية، فهو لا يخرج عن كونه لعبة سياسية ذات وجه إعلامي شديد الحبكة والدعاية لنفسه “كواحة للديمقراطية” كما يسوق لنفسه مستغلا فشل الأنظمة العربية حتى بتعريف ماهية الديمقراطية.
والحق أيضا أن تلك “الديمقراطية والحرية الإسرائيلية” التي يصر العالم على تحسين صورتها والاعتراف بنموذجها لا يمكن أن تسمى سوى ب “ديمقراطية المافيا”. نعم! فعائلات المافيا لها طبيعة خاصة تتشابه كثيرا مع تلك الدولة المارقة والخارجة على القانون. كثيرا ما يكون أحد أفراد تلك العائلات مرفوض أو مغضوب عليه، لكنه دائما ما يسمح له بالحياة والاستمرار في مضايقة أسرته. يسمح له ذلك ويتم التعامل معه بحذر نعم، ولكنه غالبا لا يتم استئصاله لأنه يحمل هويتهم.
تماما كما هو الحال في إسرائيل هنالك من يكرهها من الداخل ويعمل على إسقاطها، لكن عدم التخلص منهم لا يعنى شيئا سوى أنها تلك العقلية الشيطانية التي تسيطر على كل شيئ من الحرب إلى السياسة. في ديمقراطية لا تخرج عن كونها أحد الممارسات لجرائم المافيا وديمقراطيتها العصابية.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.