بجدارة ولأكثر من نصف قرن دون انقطاع، تنفرد أزمة الثانوية العامة تصدر أهم مشاهد فشل منظومة التعليم المصرية وتلك المسرحية الكوميدية السوداء. صحيح أن الوزير الحالي للتربية والتعليم، د. أحمد زكي بدر، استطاع أن يحدث فرقا في إدارة العملية التعليمية بإدارته الصارمة واختلاف طريقة تفكيره ولو نسبيا عن سابقيه باتجاه يبدو أنه قد يكون صحيحا، حيث لم يعد أحد قادرا على الجزم بما هو صحيح من عدمه في هذه الأزمة المرضية المزمنة.
غير أنه لا يجوز نسيان أنه جزء من الحكومة المتهمة بالفشل في النهوض بالتعليم منذ عقود. ومن المنطق الدعائي لها أن تقوم هي وإعلامها الحكومي بتسليط الكثير من الضوء على أي إنجاز يقوم به السيد الوزير المجتهد والساعي للخروج من تلك الأزمة القديمة. صورة ينقلها الإعلام وكأنها عبقرية زعامية لا مثيل لها. فنسي الجميع أن ما يقوم به هذا الرجل هو ببساطة دوره البديهي كمسؤول حالي عن تلك الوزارة المعتادة على موضع الاتهام.
وفي نهاية الأسبوع الماضي، زار السيد الوزير محافظة سوهاج لمتابعة سير امتحانات الثانوية العامة هناك. أمر محمود، ولكنه بديهي. ولكن المسؤولين التربوين هناك أرادوا أن يجعلوا من تلك المناسبة حدثا آخرا لدعم البروباجاندا الحكومية المسوقة للتغير التعليمي القادم على يد “الوزير البطل”.
جمع السادة المسؤولون هناك نحو ألف تلميذ وتلميذة بالمرحلتين الابتدائية والإعدادية فى سوهاج، فى طابور، أمام ديوان عام المحافظة، للترحيب بالسيد الوزير. حيث استدعت مديرية التربية والتعليم بالمحافظة هؤلاء التلاميذ من إجازاتهم، ليكونوا فى شرف استقباله، منتظرين لسيادته لمدة تزيد على ٣ ساعات فى نار الشمس الحارقة.
وعندما وصل تجاهلهم، وصعد مباشرة للقاء المحافظ، مما دفعهم للتجمع أمام نافورة بديوان المحافظة، للاحتماء بها من شدة الحر بالشرب وغسل الوجوه، مع العلم بأن مياه النافورات العامة غير صالحة للشرب. لكن والحمدلله، مازالت أمعاء أبنائنا من المصريين “تأكل الزلط”، ولم يبلغ أن أي إصابات حتى الآن.
وفي سياق مواز ومرتبط بالعملية التعليمية وفي نفس اليوم، تكرر المشهد السنوي المعتاد من شكوى الطلاب وأولياء الأمور من صعوبة امتحانات الثانوية العامة. لكن صرامة السيد الوزير الحالي، والتي تعتبر إيجابية بطريقة ما، انقلبت عليه تلك المرة. فالشكوى هذا العام كانت أمر وأشد، وموجهة بصورة شخصية له.
ومن تلك الشكاوى والصور الهزلية أن يتهم أحد أولياء الأمور الوزير قائلا ” الوزير جاى مخصوص علشان ينتقم من التلاميذ وأولياء أمورهم”. نوع غريب من الاتهام، ليس به أي نوع من المنطق، ولا يحمل سوى خلل في تفكير صاحبه. وطالب آخر يحطم زجاج النافذة المجاورة له فيقطع شرايينه اعتراضا على صعوبة الامتحان. ثم يقتحم أولياء الأمور مدرسة أخر للبنات ويحطمون بوابتها بعد سماع صراخهن إثر انتشار حالات الإغماء بينهن، ومنع إدارة المدرسة خروجهن بعد انتهاء وقت الامتحان.
ومع كل الاحترام لطرفي هذا المشهد الهستيري الغير مفهوم، حكومة وشعبا، ألا يستوقف أحد العقلاء نفسه ويتساءل “هو في إيه؟”، ألا تشعر الحكومة بالخجل من تلك الدعاية الوهمية لإنجازات تعليمية وتربوية لا تتجاوز أدنى مراحل التصويب الإداري، وشكرا. ألا يتساءل أولياء الأمور، وماذا بعد الثانوية العامة؟
ألا يروا طوابير البطالة من خريجي ما يسمى بكليات “القمة”، تلك القمة التي تخرج من الأطباء والمهندسين والصيادلة الذين لا تتعدى كفاءاتهم أسوار الجامعة، فتفشل في إيجاد مكان مميز لها داخل منظومة العرض والطلب الحقيقية في سوق العمل.
لكن أزمة الثانوية العامة التي فعلا طالت بصورة أصبحت مهينة للهوية الاجتماعية، تعاني من حلول لا تقدم لها سوى مزيدا من التعقيدات التي تزيد الطين بلة. الحكومة، الإعلام، المجتمع، كلهم في قفص واحد للاتهام. كلهم محدودي البصر تجاه تلك القضية المسببة للصداع. كلهم لا يرون أنه لا يوجد فرق بين خريج الطب وخريج الحقوق. فكلهم ناقصي الكفاءة، وكلهم يعاني من شيء لا يفهمونه، فالطالب المصري لم يتم تعليمه كيفية البحث عما يريده أو يتفعه، أو ماهو بالفعل قادر على إنجازه حسب إمكانياته وميوله. فالكل يلهث وراء قوالب اجتماعية وهمية مصنوعة من الحديد الصلب عالي درجات الصدأ.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.