مر أكثر من عام منذ أن طرحت الحكومة مشروع قانون جديد للتأمينات والمعاشات للنقاش بين الجهات الرسمية، بما في ذلك البرلمان ووزارة المالية.

وقبل أن يُعلَن عن القانون، لم يتوقف منتقدوه عن الهجوم عليه. أما المسؤولون الحكوميون فلا يزالون يدافعون عنه، واصفين إياه بأنه حجر الأساس لـ«عصر جديد» من التضامن الاجتماعي.

وقد خصصت الحكومة مبلغ 213.2 مليار جنيه من موازنة الدولة لعام 2010/2011 لتغطية احتياجات اجتماعية تهدف إلى تعزيز التنمية البشرية. وذكر وزير المالية يوسف بطرس غالي في بيان صحفي صادر عن الوزارة أن البُعد الاجتماعي يمثل «ركيزة أساسية في السياسة المالية لمصر».

وتشمل هذه الاحتياجات الاجتماعية الإنفاق على قطاعات حيوية مثل التعليم، ودعم السلع الأساسية والطاقة، والكهرباء، والإسكان لذوي الدخل المحدود، والتأمين الصحي. كما تتضمن الموازنة الجديدة دعمًا خاصًا لشراء القمح المحلي بأسعار تفوق السعر العالمي.

ويمثل هذا التخصيص زيادة بنسبة 29 في المئة مقارنةً بالإنفاق المماثل في السنة المالية السابقة.

ويُخصص جزء كبير من هذا المبلغ لدعم نظام المعاشات والتضامن الاجتماعي، والذي يُقدره بطرس غالي بنحو 29.957 مليار جنيه.

وفي 13 يوليو، صادق البرلمان على الصيغة النهائية لمشروع قانون التأمينات والمعاشات الجديد. وخلال مخاطبته للنواب، دافع الوزير عن التشريع قائلًا: «عدم ذكر كلمة “اجتماعي” في عنوان القانون لا يعني أن الحكومة تغاضت عن مبدأ التضامن».

وأكد للنواب أن القانون الجديد سيُعزّز التضامن الاجتماعي بشكل أكثر فاعلية من النظام الحالي، وسيعود بالنفع على أصحاب المعاشات والرواتب المنخفضة.

ويؤكد المسؤولون الحكوميون أن من المتوقع أن يُحسّن القانون الجديد مستويات المعيشة بعد التقاعد. ويقولون إن القانون يسعى إلى معالجة أوجه القصور في النظام الحالي، خصوصًا الفجوة بين الرواتب قبل التقاعد وبعده.

وبالنسبة للعاملين في القطاع العام، يبلغ متوسط الفرق بين الرواتب والمعاشات الشهرية نحو 50 جنيهًا أقل، وهو ما تعتبره الحكومة وضعًا شفافًا. أما في القطاع الخاص، فيبلغ متوسط الفرق 450 جنيهًا أقل، حيث تلجأ الشركات الخاصة إلى التأمين على موظفيها برواتب تقل كثيرًا عن دخولهم الفعلية.

ولأول مرة، يسمح القانون للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي باستثمار 46 في المئة من أموالها بشكل مباشر دون تدخل، وهو أمر محظور حاليًا. وسيُتيح هذا التغيير للهيئة أن تُنشئ استثمارات طويلة الأجل ومتنوعة في مجالات متعددة، مثل العقارات، والأعمال التجارية، والأوراق المالية.

ويبدو أن العلاقة بين الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي والبنك المركزي للاستثمار (الذي كان مملوكًا للدولة) قد شارفت على نهايتها. فالقانون الجديد لا ينص على أي دور للبنك، الذي كان يتولى إدارة أموال التأمينات الاجتماعية. وبموجب القانون الجديد، ستتولى الخزانة العامة الإشراف على أموال التأمينات واستثماراتها.

وتشتهر شركات القطاع الخاص بالتأمين على موظفيها برواتب تقل كثيرًا عن مستواهم الفعلي بهدف خفض التكاليف — وهي مشكلة خطيرة في اقتصاد يزداد اعتماده على القطاع الخاص لتحقيق النمو. وغالبًا ما يؤدي هذا السلوك إلى تشوه في المؤشرات المالية.

ويُعاقب القانون الجديد على هذا السلوك بالسجن لمدة عام، وغرامة تتراوح بين 10 آلاف و50 ألف جنيه، حسب عدد العمال الذين توظفهم الشركة المخالفة. بينما تنص القوانين الحالية على غرامة قدرها جنيه واحد فقط لكل عامل غير مؤمَّن عليه.

ورغم الترويج الحكومي لمزايا القانون الجديد، فقد واجه انتقادات منذ الكشف عن تفاصيله قبل أكثر من عام. ولم تهدأ هذه الانتقادات، بل تصاعدت بعد المصادقة عليه من قبل مجلس الشعب الأسبوع الماضي.

ووصف المعارضون من الساسة والمنظمات الاقتصادية هذا الإقرار الدائم للقانون بأنه «مسلوق» — في إشارة إلى البيض المسلوق الذي يُطهى بسرعة وبدون عناية.

وقد أُرسلت مذكرة رسمية أعدّتها مجموعة من الاتحادات المهنية والاقتصادية إلى وزير المالية، تقترح إدخال تعديلات على القانون. غير أن القانون جرى إقراره في صيغته الأصلية دون الالتفات إلى ملاحظات تلك الجهات.

ومن بين المنظمات المعارضة، كانت جمعية رجال الأعمال المصريين، وجمعية الفنادق المصرية، وجمعية شباب الأعمال، وكلها رفضت العقوبات بالسجن التي طالت أصحاب الشركات.

ورغم أن الهدف من القانون في إرغام شركات القطاع الخاص على تأمين جميع عمالها عبر التهديد بالسجن قد يبدو نبيلًا، إلا أنه ينذر بأزمة. ففي حال تنفيذه، قد يؤدي إلى إفلاس عدد كبير من أصحاب الشركات، وهو ما قد يتسبب في تداعيات اقتصادية أوسع.

وقال أحمد الهندي، المدير التنفيذي لشركة الوطنية لوجستيك: «العمال، باختيارهم، يفضّلون دفع أقل ما يمكن للتأمين، لأنهم يهتمون فقط بالدخل الفوري. لا أمانع إطلاقًا في التأمين عليهم وفقًا لدخولهم الحقيقية، كما ينص عليه القانون الجديد. لكننا سنظل نواجه دائمًا مشاكل مع العمال الموسميين ومن يرفضون توقيع العقود».

كما عبّر عن عدم رضاه عن عقوبة السجن التي تطال الشركات الخاصة، قائلًا: «من الصعب للغاية التفرقة بين من يرفض التأمين على عماله عمدًا، ومن يُجبر على ذلك ويُصرّح بدخل أقل من الحقيقي. أعتقد أن العقوبة قاسية جدًا، لكننا مضطرون للامتثال. ماذا بوسعنا أن نفعل؟».

وقد أعرب الاتحاد المصري لشركات التأمين أيضًا عن قلقه إزاء القانون، ويُعد حاليًا مذكرة رسمية أخرى لعرضها على وزيري المالية والاستثمار.

ويخشى الاتحاد من أن يؤثر القانون سلبًا على شركات التأمين من خلال حرمانها من بعض المزايا التي كانت تتمتع بها سابقًا. إذ يفرض القانون على الأفراد الانضمام إلى التأمينات الاجتماعية، مما قد يؤدي إلى تقليص قاعدة عملاء شركات التأمين على الحياة الخاصة.

ورغم هذه الانتقادات، فقد تجاهل نائب وزير المالية محمد معيط المخاوف المطروحة، وقال في مقابلة سابقة مع صحيفة «المصري اليوم»: «لا زلت أُصر على أن من يقول ذلك إما جاهل أو لم يقرأ القانون».

وأضاف: «من يدّعي أن القانون “مسلوق” لا يعلم أن القيادة السياسية راجعته خلال السنة الماضية على جميع المستويات. عُقدت اجتماعات فنية لمراجعته ومناقشته، ودار حوله حوار مجتمعي خلال السنوات الثلاث الماضية، شمل المجتمع المدني، والأحزاب السياسية، والجمعيات، والجامعات».

وفي اتصال هاتفي، رد البدري فرغلي، رئيس اتحاد أصحاب المعاشات، بشدة على اتهامات معيط، قائلًا: «هو شخص عُيّن خصيصًا لهذه المهمة. هو نفسه لم يقرأ الدستور أو القانون القديم. البُعد الاجتماعي غاب عنه».

وواصل فرغلي انتقاده، واصفًا القانون بأنه «قانون استثمار وليس قانونًا اجتماعيًا». وأضاف: «سيصبح الأمر أشبه بأي مواطن يبحث عن شركة تأمين على الحياة».

كما اتهم القانون بالاستيلاء على مدخرات المصريين التي تراكمت خلال الـ35 سنة الماضية — والتي تُقدّر بنحو 435 مليار جنيه — وتحويلها إلى تدفقات لصالح الخزانة العامة. وقال: «سنفقد، نحن أصحاب المعاشات، كل ثروتنا. لن يتبقى لنا شيء».

وأضاف فرغلي إلى اتهاماته أن الحكومة تسعى إلى سداد الدين العام المتزايد من خلال صناديق المعاشات. ووفقًا لأحدث تقرير شهري صادر عن البنك المركزي المصري، بلغ إجمالي الدين الداخلي نحو 863.3 مليار جنيه، بينما بلغ الدين الخارجي 33.3 مليار دولار. وهو ما يُظهر أن الحكومة تسعى جاهدة لإيجاد مصادر لسد الفجوة. ويبدو أن القانون الجديد سيسهم في تقليص هذه الفجوة بمقدار 435 مليار جنيه.

وطالب فرغلي الرئيس حسني مبارك، باعتباره الجهة الوحيدة المخولة بالتصديق النهائي على القانون، بإعادته لمزيد من المناقشة المجتمعية الواسعة. وقال: «القانون غير دستوري، لأن أموال التأمين خاصة، وليست عامة، رغم أن القانون يسعى إلى تحويلها إلى أموال عامة بمجرد دخولها الخزانة».

ومن بين البنود المثيرة للجدل في القانون أيضًا رفع سن التقاعد إلى 65 عامًا، وهو ما يراه البعض خطوة إيجابية لأنها تتيح للعمال الاستمرار في العمل وكسب المزيد. إلا أنه من غير الواضح كيف سيفيد هذا التعديل الاقتصاد المصري. فمع قوة عاملة تُقدَّر بنحو 25.8 مليون عامل، ومعدل بطالة يبلغ 9.7 في المئة، يُعد التقاعد وسيلة مهمة لإتاحة فرص العمل للعاطلين. وبرفع سن التقاعد، سيفقد سوق العمل هذا التوازن لمدة خمس سنوات، ما قد يؤدي إلى تفاقم معدلات البطالة.

وقد يكون هدف الحكومة تأخير صرف المعاشات عبر إلزام الأفراد بالعمل حتى سن 65، وهو ما قد يكون منطقيًا في اقتصاد مستقر، لكن هذا لا ينطبق على مصر.

وفضلًا عن ذلك، وعند مقارنته بدول تملك أنظمة صحية أفضل، يبدو هذا البند من القانون غير عادل. ففي الدول التي تُقدّم معاشات مرتفعة ويعيش فيها المتقاعدون لعشرين سنة أو أكثر بعد التقاعد، تكتسب عبارة «الحياة تبدأ في سن الخامسة والستين» بعض المصداقية. أما في مصر، حيث يبلغ متوسط العمر المتوقع 68 عامًا للرجال و71 عامًا للنساء، وفقًا لبيانات الأمم المتحدة الأخيرة، فإن وعد الحكومة بـ«تقاعد سعيد» يعني في المتوسط ثلاث سنوات فقط للرجال، وست سنوات للنساء.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة المصري اليوم باللغة الإنجليزية.