في تصريح للمستشار مرتضي منصور فيما يخص قضية حظر الكتب الخارجية عن طريق وزارة التربية والتعليم، ومعقبا على موافقته على الانضمام إلى هيئة الدفاع عن دور النشر الخاصة بتلك الكتب قال “الطلاب البسطاء يعتمدون فى فهم المناهج على الكتب الخارجية، التى تعد بديلا عن كتب الوزارة السيئة، وفى حال منعها سيلجأون إلى الدروس الخصوصية، وإذا كان بدر يطالب بمقابل للملكية الفكرية، فهذا ليس من حقه لأنه لم يؤلف التاريخ والرياضيات”.
تصريح قوى ومعبر يلخص مشكلة المحتوى العلمي وكتبه في صورة لأزمة عرجاء ذات أربعة أرجلة معوقة.
الأولى تنحصر في توقيت واستعدادات وزارة التربية والتعليم المعروفة بالتواضع والاختلال منذ عدة عقود وحتى يومنا هذا. فجأة تطالب الوزارة بمنع طباعة الكتب الخارجية واتخاذ حقوق الملكية الفكرية ذريعة قانونية لترهيب دور النشر بالبعبع الفكري. فهل كانت الوزارة جاهزة بالبديل؟ هل كانت على علم بتوابع هذا القرار؟ أم أنه هاتف جاء من السماء وتقرر الدخول في تطبيقه بالساق اليمنى والباقي على الله؟
والثانية تتمثل في كتب الوزارة نفسها، التي لا يجب الإسهاب في سرد مساوئها فهي معروفة لكل من وطأت أقدامها على عقل كل طالب مصر فتقرر وضعها باحترام تحت السرير انتظارا لنداءات السيد بيكيا بيكيا المتلهف لشرائها بالكيلو. فعلى الرغم من عدم جودة الكتب الخارجية ذاتها وتحويل عقلية الطالب المصرى إلى كيان يدرس من أجل الامتحان فقط، إلى أنها تعد فعلا رحمة من الله وبديلا لمتاهة الكتاب المدرسي القميئ.
والثالثة تتمثل في استشراء الدروس الخصوصية التي تحاربها الوزارة بسيف خشبي وقرارات عنكبوتية البناء ما تلبث ان تنهار مع اول هبة لرياح المقاومة لها فتزداد الأزمة تعقيدا وتفاقما وترتفع اسعار الدروس، فلا يجد أولياء الأمور سوى الانصياع لمتطلبات هذا السرطان التعليمي والاجتماعي.
وبناء على قرار الوزارة الغير مدروس لا تعليميا ولا اقتصاديا ولا اجتماعيا، سيطرت السوق السوداء على عملية بيع الكتب التعليمية الخارجية التى طرحتها بعض دور النشر الكبرى الأسبوع الماضى بالمكتبات فى تحد واضح لقرارات الوزارة ، ووصل سعر الكتاب الواحد للمرحلتين الإعدادية والثانوية إلى 60 جنيها، بالرغم من أن السعر الرسمى للكتاب لا يتعدى 12 جنيها.
واضطر عدد كبير من أولياء الأمور إلى الوقوف فى طوابير أمام بعض المكتبات للحصول على نسخ من الكتب قبل نفادها، وطالبوا الوزير الدكتور أحمد زكى بدر بسرعة حل الأزمة “رأفة” بهم وبأبنائهم.
وهنا ناتي إلى الساق العرجاء الأخيرة في تلك الزمة الأخيرة وكل مشاكل التعليم في مصر، ألا وهي الدور الاجتماعي المشارك وبقوة في تفاقم أزمات التعليم المتلاحقة جنبا إلى جنب مع الفشل الحكومي المتكرر منذ زمن حل حتى ازمة كتاب مدرسي عقيم.
إنه المجتمع الذي يحصر مستقبل ابنائهم في ورقة ليس لها معنى على المستوى الإنساني أو حتى الوظيفي إسمها “شهادة” تقرر أن هذا الطالب “كويس” وممكن أن يعمل في يوم من الأيام ب 200 جنيه في الشهر عندما يحين دوره إن شاء الله. وإلى أن ياتي هذا الدور، مرحبا به زبونا دائما على مقهى “زيكو” على ناصية شارع بيتهم، بعد أن يعود من عمله كبائع متجول (مندوب مبيعات خارجي) بشهادة هندسة على مقاهي وسط البلد بعيدا عن سكنه.
من العجيب فعلا ان تكون ردود أفعال أولياء الأمور بهذا الشكل دائما تجاه كل الأزمات، الانصياع ثم الانصياع لضغط الأزمة خوفا على مستقبل أبنائهم الغير مبشر من الأساس.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.