كشفت دراسة جديدة حول ديناميكيات التحويلات المالية إلى مصر أنّ نسبة ضئيلة فقط من هذه الثروات يتم استثمارها، كما تبيّن أنّ الهجرة ما تزال ظاهرة يهيمن عليها الذكور.


أجرت المنظمة الدولية للهجرة (IOM) دراسة عن ديناميكيات التحويلات وكيفية استثمار هذه الثروات. لكن يبقى التساؤل: هل تهتم مصر فعلًا بهذا الملف؟
الدراسة التي حملت عنوان «التحويلات المالية وفرص الاستثمار للمهاجرين المصريين» صَدرت في القاهرة كجهد مشترك بين المنظمة الدولية للهجرة، ووزارة القوى العاملة والهجرة المصرية، ومركز دراسات الهجرة واللاجئين بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، والتعاون الإيطالي من أجل التنمية.
تنبع أهمية هذه الدراسة من حقيقة أنّ مصر تُذكر باستمرار في الأدبيات الخاصة باقتصاديات التحويلات كنموذج لدولة مُصدّرة للعمالة ومُتلقية كبيرة للتحويلات النقدية.
ورغم أن الأزمة المالية العالمية أدّت إلى انكماش سنوي في تدفقات التحويلات بنسبة 10%، فإنّ مصر جاءت في مطلع عام 2009 ضمن الدول السبع الأولى عالميًا من حيث حجم التحويلات الواردة، إذ بلغت قيمة التحويلات نحو 7.8 مليارات دولار، ووفقًا للدراسة، مثّلت التحويلات 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2008.
أنماط الهجرة المصرية إلى الخارج
بالإضافة إلى مراجعة القوانين والسياسات المنظمة للاستثمار في مصر، شملت الدراسة استبيانًا ميدانيًا لعينة من 200 أسرة تتلقى تحويلات في محافظات القاهرة والمنوفية والفيوم والشرقية. وتُعدّ هذه الدراسة غير مسبوقة، حيث أزالت الكثير من الغموض الذي يحيط بهذه الظاهرة الاقتصادية.
وقد كشفت النتائج أن الهجرة المصرية ما تزال ظاهرة ذكورية بامتياز، إذ شكّل الرجال 91% من مرسلي التحويلات ضمن العينة. تراوحت أعمار المهاجرين بين 15 و70 عامًا، بمتوسط عمري قدره 35 عامًا. وأشار روبيرتو بيتيا، مسؤول البحوث الإقليمي بالمنظمة، إلى نتيجة لافتة أخرى، وهي أن 70% من متلقّي التحويلات هم من النساء. وأضاف أن المنظمة بصدد دراسة ما إذا كانت هذه الظاهرة تؤدي إلى مزيد من تمكين النساء داخل أسر المهاجرين، مشيرًا إلى أنّ النتائج سيتم إعلانها قريبًا.
ووفقًا للدراسة، فإنّ 59% من المهاجرين حاصلون على شهادات جامعية، في حين لا تتعدى نسبة الحاصلين على الشهادات الجامعية في مصر عمومًا 10%.
وبيّنت الدراسة أنّ 81% من المهاجرين يعملون في دول الخليج العربي، حيث يُقيم 47% منهم في السعودية، و12% في الإمارات، و11% في الكويت، و7% في قطر، و3% في سلطنة عمان، و1% في البحرين. أما البقية، والذين يمثلون نحو 7%، فيعملون في دول أوروبية.
الفقر يستهلك الثروة
تراوحت قيمة التحويلات بين 110 و15 ألف جنيه شهريًا، وبلغ متوسط التحويلات التي تتلقاها الأسر نحو 1500 جنيه. لكن الدراسة أظهرت تفاوتًا واضحًا بين المحافظات.
فبينما أبلغت أسر القاهرة عن متوسط تحويلات قدره 3000 جنيه، لم يتجاوز المتوسط في الفيوم 600 جنيه، وهو ما يعكس تدني مستوى التعليم الجامعي للمهاجرين من هذه المحافظة، وانخراطهم في مهن أقل أجرًا.
ووفقًا للدراسة، فإنّ 1% فقط من المهاجرين غادروا البلاد بنيّة ادخار المال من أجل الاستثمار. في المقابل، اتجهت 20% من الأسر المستقبلة للتحويلات إلى استثمار هذه الأموال في أنشطة متنوعة.
وقد استثمر نحو نصف هؤلاء في العقارات، بينما اتجه عدد أقل إلى المشروعات الصغيرة والمتوسطة وسوق الأوراق المالية والزراعة.
في حين، ركّزت الغالبية الساحقة (نحو 80%) على تغطية الاحتياجات الأساسية اليومية للأسرة، مثل الرعاية الصحية والتعليم.
ورغم تشجيعه على توجيه التحويلات إلى الاستثمار، أكّد بيتيا أهمية هذا التوجه السائد للإنفاق على ما وصفه بـ«الضروريات غير المربحة». وقال: «27% من المشاركين ذكروا أنّهم استخدموا التحويلات في التعليم والرعاية الصحية، وهما نوع من الاستثمار في رأس المال البشري، ما يبرز الدور المهم الذي تلعبه التحويلات في تخفيف حدة الفقر في المجتمع المصري».
التحويلات الاستثمارية لا تجذب المصريين
أكدت الدراسة أنّ نحو 80% من الأسر التي شملها الاستطلاع في المحافظات الأربع لا تقوم بأي نوع من الاستثمار.
وعند سؤالهم عن الأسباب، أشار معظم أرباب الأسر إلى صعوبات مالية وانعدام أو محدودية الوصول إلى الائتمان الرسمي.
كما رأى 20% أنّ مناخ الاستثمار في مصر «محفوف بالمخاطر»، وذكر 10% منهم أنّهم لا يمتلكون معلومات كافية عن فرص الاستثمار.
ووجدت الدراسة أن الغالبية العظمى ترى أن السياسات الحكومية عامل رئيسي في قراراتهم الاستثمارية. ففي القاهرة، شكّل الفساد العائق الأكبر أمام الاستثمار، بينما كانت الضرائب المرتفعة هي المعضلة الرئيسية في الفيوم.
أما البيروقراطية، فشكّلت مصدر قلق بالغ لدى من يفكرون في الاستثمار في محافظتي المنوفية والشرقية.
تقلبات
استندت الدراسة إلى بيانات جُمعت حتى أوائل عام 2009، لكنّ البنك الدولي أفاد بانخفاض حاد في التحويلات بنهاية العام ذاته، بنسبة بلغت نحو 17.8% مقارنة بعام 2008.
وعلّق محمد صالح، الباحث الاقتصادي بجامعة جنوب كاليفورنيا، قائلاً إنّ هذا التراجع «ظاهرة اقتصادية متوقعة في الدول الكبرى المتلقية للتحويلات»، موضحًا أنّ حالات الفصل من العمل في الدول المضيفة عقب الأزمات الاقتصادية تؤدي غالبًا إلى هذا الانخفاض.
وأضاف صالح: «في عام 2008، قام كثير من العمال الأجانب بتحويل المزيد من الأموال إلى بلدانهم كإجراء احترازي لدعم أسرهم، في وقت كانت فيه الأزمات تعصف باقتصاداتهم». لكنه توقّع أن تعاود التحويلات إلى مصر الارتفاع تدريجيًا، مشيرًا إلى أنّ التوظيف عادة ما يتأخر نسبيًا عن مؤشرات التعافي الاقتصادي.
لكنه توقّع أن تعاود التحويلات إلى مصر الارتفاع تدريجيًا، مشيرًا إلى أنّ التوظيف عادة ما يتأخر نسبيًا عن مؤشرات التعافي الاقتصادي.
رغم ذلك، أكّد صالح أنّ نتائج الدراسة وتوصياتها لا تزال تحتفظ بقيمتها.
آمال زائفة؟
ذكر التقرير أنّ الحكومة المصرية اتخذت بالفعل خطوات إيجابية لتطوير الإطار التشريعي وافتتاح «مراكز الشباك الواحد» لتحسين مناخ الاستثمار وتيسير الإجراءات. غير أنّ هذه الإجراءات لم تنعكس بشكل ملموس على المهاجرين المستثمرين، بسبب ضعف المعلومات المتاحة والطبيعة الخاصة لهذه الاستثمارات، التي تأتي غالبًا في شكل مشروعات صغيرة ومتوسطة، ولم تُستهدف بالشكل المناسب.
وأوصى بيتيا الحكومة المصرية بوضع برامج محددة في المحافظات المختلفة لتقديم استشارات مالية واستثمارية لأسر المهاجرين وللمهاجرين أنفسهم.
واقترح أن يتم ذلك من خلال استراتيجيات توعية موجهة للمهاجرين ضمن المبادرات القائمة، مثل برنامج القروض الصغيرة الذي تديره «الصندوق الاجتماعي للتنمية»، أو خدمة الشباك الواحد التي تقدمها «الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة».
ومن بين المقترحات اللافتة التي وردت في التقرير إنشاء مكتب معلومات في مطار القاهرة الدولي لتقديم الإرشاد للمصريين العائدين، على أن يتم هذا بالتنسيق مع جميع الجهات المعنية.
وبما أنّ الغالبية العظمى من متلقّي التحويلات ومن يتخذون القرارات الاستثمارية هم من النساء، عبّر بيتيا عن أمله في تطوير برامج تراعي النوع الاجتماعي، تستهدف النساء وتزوّدهن بالمعرفة المالية والقدرة على إدارة الاستثمارات بشكل أفضل.
ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الحكومة لتشجيع الاستثمار، والتي تتجلى في تعدد الجهات المعنية، فإنّ النتائج الفعلية على صعيد التحويلات الاستثمارية ما زالت محدودة، كما أظهرت الدراسة.
ومع ذلك، فإن الصورة ليست قاتمة تمامًا، إذ بدا خلال حفل إطلاق الدراسة أنّ ممثلي الحكومة تلقوا نتائج التقرير بإيجابية، وأعلنت المنظمة لاحقًا أنّ الحكومة أبدت دعمها للتوصيات التي وردت فيه.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة باللغة الإنجليزية.