بينما تسعى الحكومة لإطلاق نظام شامل للتكافل الاجتماعى، تواجه التشريعات الجديدة الخاصة بالمعاشات انتقادات من جميع الأطراف
كان أول اجتماع يعقده مجلس الوزراء بعد عطلته الصيفية خلال شهر أغسطس مخصصًا لمناقشة التكليفات الصادرة له من الرئيس حسني مبارك، لتنفيذ برنامجه الانتخابي الأخير، الذي بدأ قبل خمس سنوات ويتبقى على انتهائه عام واحد.
وقال المتحدث باسم مجلس الوزراء، مجدي راضي، إن تكليفات الرئيس تتضمن إقامة نظام شامل للتكافل الاجتماعى، من خلال إطلاق قانون التأمينات والمعاشات الجديد، وتسريع إجراءات تسجيل العمالة غير المنتظمة والموسمية، بالإضافة إلى زيادة عدد المستفيدين من المعاشات إلى 2.5 مليون شخص قبل نهاية العام الحالى.
وقد مر أكثر من عام على بدء الحكومة مناقشات القانون الجديد بين عدد من الجهات، منها البرلمان ووزارة المالية.
وقد تعرض القانون لانتقادات حادة حتى قبل ولادته، إلا أن الحكومة لا تزال تدافع عنه بقوة وتعتبره مفتاحًا لعصر جديد من التكافل الاجتماعى.
وقد خصصت الحكومة مبلغ 213.2 مليار جنيه من موازنتها للعام المالى 2010/2011 لتغطية الاحتياجات الاجتماعية. وقال وزير المالية يوسف بطرس غالى فى بيان صادر عن الوزارة إن «هذا البعد يُعد ركيزة أساسية فى السياسة المالية لمصر».
كما أكد زيادة الإنفاق على هذا البعد الاجتماعى فى العام الجديد بقيمة 47.142 مليار جنيه، أى بزيادة نسبتها 29%.
ويشمل هذا المبلغ بندًا كاملاً لدعم نظام التأمينات والتكافل الاجتماعى، الذى قدّره بطرس غالى بنحو 29.957 مليار جنيه.
وكان البرلمان قد أقر فى يوليو الماضى القانون الجديد للتأمينات والمعاشات بصيغته النهائية. وفى كلمة له أمام النواب، دافع بطرس غالى عن القانون قائلاً: «عدم ورود كلمة تكافل فى نص مشروع القانون لا يعنى أن الحكومة قد تجاهلت مبدأ التكافل».
كما أكد أن القانون سيحقق مستوى من التكافل الاجتماعى يفوق كثيرًا ما هو قائم حاليًا، وسيكون لصالح أصحاب المعاشات والرواتب المتدنية.
وتأمل الحكومة أن يسهم القانون الجديد فى الحفاظ على مستوى المعيشة بعد التقاعد أو فى حالة الإحالة للمعاش بسبب العجز. كما تأمل أن يعالج أوجه القصور فى النظام القائم حاليًا، خاصة التفاوت بين الأجور قبل وبعد التقاعد.
ولأول مرة، سيكون من حق الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى استثمار نحو 46% من أموالها بشكل مباشر دون تدخل، وهو ما لم يكن مسموحًا به فى النظام الحالى. ومن شأن ذلك أن يتيح للهيئة تكوين محافظ استثمارية طويلة الأجل ومتنوعة تشمل الأراضى والعقارات والمشروعات والأوراق المالية.
ويبدو أن العلاقة بين الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية وبنك الاستثمار القومى المملوك للدولة فى طريقها للنهاية، حيث لم يتضمن القانون الجديد أى دور للبنك، الذى كان يتولى إدارة أموال التأمينات الاجتماعية. ووفقًا للقانون الجديد، ستصبح العلاقة مباشرة بين وزارة المالية – التى ستتولى إدارة أموال التأمينات – واستثماراتها.
ومن المعروف أن شركات القطاع الخاص تقوم بالتأمين على عمالها بأقل من رواتبهم الفعلية لتقليل التكاليف، وهو ما يمثل مشكلة خطيرة فى اقتصاد يتجه للاعتماد على القطاع الخاص فى التنمية. وتُعد هذه الممارسة غير قانونية وتؤدى إلى مؤشرات مالية مضللة.
وقد أخذ القانون الجديد هذا الأمر فى الاعتبار، واعتبر هذا السلوك جريمة يُعاقب مرتكبها بالسجن لمدة عام وغرامة تتراوح بين 10 آلاف و50 ألف جنيه، وفقًا لعدد العاملين فى الشركة. ومن المفارقات أن الغرامة فى القانون القديم كانت جنيهاً واحدًا عن كل عامل غير مؤمَّن عليه.
ورغم المزايا التى تتحدث عنها الحكومة وبعض المراقبين والمؤيدين للقانون، إلا أن القانون الجديد ووجه بانتقادات منذ الإعلان عن تفاصيله قبل أكثر من عام. كما وُجهت له انتقادات حادة عقب إقراره فى مجلس الشعب الأسبوع الماضى.
وقد وصف سياسيون ومنظمات أعمال هذا الإقرار بأنه «مسلوق»، وهو تعبير مستوحى من البيض المسلوق، فى إشارة إلى القانون الذى تم إعداده وتقديمه بسرعة وبلا نضج كافٍ، بحسب منتقديه.
وقد قُدمت وثيقة رسمية من عدد من رجال الأعمال والنقابات المهنية تقترح تعديلات على القانون، إلى وزير المالية. إلا أن القانون أُقر بصيغته الأصلية، دون الالتفات إلى التعديلات المقترحة.
ويبدو أن النية الطيبة للقانون فى دفع الشركات الخاصة لتأمين عمالها بشكل كامل من خلال التهديد بالسجن، قد تكون مبالغًا فيها، وقد تؤدى إلى أزمة إذا أدت إلى إفلاس عدد كبير من أصحاب الأعمال.
وقد أعرب الاتحاد المصرى لشركات التأمين عن مخاوفه بشأن القانون، وقدم رأيه الرسمى لوزيرى المالية والاستثمار.
ويخشى الاتحاد أن يؤثر القانون سلبًا على شركات التأمين، حيث سيمنح المزايا التى كانت حكرًا عليها. ومن المرجح أن ينخفض حجم أعمال القطاع، نظرًا لأن القانون يُلزم الأفراد بالتأمين الاجتماعى، وهو ما قد يقلل من عدد العملاء لشركات التأمين على الحياة الخاصة.
وفى رد على هذه الانتقادات، هاجم نائب وزير المالية، محمد معيط، المعارضين فى حوار مع صحيفة المصرى اليوم قائلاً: «ما زلت أصر على أن من يقول هذا الكلام إما جاهل أو لم يقرأ القانون».
وأضاف: «من يردد أن القانون (مسلوق) لا يعرف أن القيادة السياسية قامت بمراجعته على مدار العام الماضى بكل مستوياته. وقد تم عقد اجتماعات لمناقشته ومراجعته فنيًا، كما تم إجراء حوار مجتمعى خلال السنوات الثلاث الماضية مع المجتمع المدنى والأحزاب والجمعيات والجامعات».
ورد عليه البدري فرغلي، رئيس اتحاد أصحاب المعاشات، بتشكيك فى تصريحات معيط حول جهل المعارضين للقانون، قائلاً فى مقابلة مع «المصرى اليوم»: «هذا شخص مكلف بمهمة محددة. هو نفسه لم يقرأ الدستور ولا القانون القديم. البُعد الاجتماعى اختفى تمامًا بالنسبة له».
ووصف فرغلي القانون الجديد بأنه «قانون استثمار وليس قانونًا اجتماعيًا»، وأضاف: «سيصبح كل مواطن كمن يذهب لشركة تأمين على الحياة».
واتهم رئيس اتحاد المتقاعدين القانون الجديد بأنه يستولى على مدخرات المصريين طوال الـ35 سنة الماضية، والتى تصل إلى حوالى 435 مليار جنيه، ويحولها إلى تدفقات لصالح الخزانة العامة. وقال: «إحنا كمتقاعدين هنفقد كل ثروتنا، ومش هيبقى لينا حاجة»، مضيفًا أن الحكومة تحاول سداد الديون العامة المتزايدة من أموال المعاشات.
وطالب فرغلي الرئيس حسني مبارك، باعتباره الجهة الوحيدة التى تملك الحق فى التصديق على القانون، بإعادته للمناقشة المجتمعية الحقيقية بمشاركة الجميع. وقال: «القانون غير دستورى، لأن أموال التأمين خاصة وليست عامة، كما يحاول القانون الجديد أن يصورها بمجرد دخولها إلى الخزانة العامة».
ويتضمن القانون الجديد بندًا آخر يقضى برفع سن التقاعد من 60 إلى 65 عامًا. ويُنظر إلى هذا البند بشكل إيجابى من قبل البعض، باعتبار أن العامل سيعمل لفترة أطول وبالتالى سيحصل على دخل أكبر. ولكن، مقارنة بسيطة مع دول أخرى ذات نظم صحية أفضل قررت رفع سن التقاعد، قد تدفعنا إلى اعتبار هذا البند مجحفًا.
فى هذه الدول، تتسم المعاشات بالارتفاع، ويعيش المتقاعدون فترة قد تصل لعشرين سنة بعد التقاعد، وقد يتجولون حول العالم، كما يُقال: «الحياة تبدأ بعد الخامسة والستين».
أما فى مصر، فبحسب أحدث بيانات الأمم المتحدة، يبلغ متوسط العمر المتوقع 68 عامًا للرجال و71 عامًا للنساء. وهو ما يعنى أن وعد الحكومة بـ«تقاعد سعيد» لن يتجاوز فى المتوسط ثلاث سنوات فقط للرجال.
لكن يبدو أن النساء أكثر حظًا، إذ من المقرر أن يحظين بست سنوات كاملة من السعادة بعد التقاعد.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة باللغة الإنجليزية.