تُبيِّن استجابات الواردات والصادرات أن التحرير المتعدد الأطراف، وليس من طرف واحد، هو الاستراتيجية. المفضلة.

أظهرت ورقة بحثية نُشرت عن المنتدى الاقتصادى للبحوث أن تحرير التجارة يترك تأثيرات متباينة على قطاعات مختلفة. وقد شارك في كتابة الورقة اقتصاديان هما رنا هندي وشاهير زكي، قاما بتحليل نتائج استراتيجية تحرير التجارة التي تبنتها الحكومة المصرية.

وتكشف الدراسة أن هذه الاستراتيجية كان لها تأثير مهم على الزواج وخيارات النساء في سوق العمل، مع وجود تأثير كبير لمستوى التعليم، حيث يزيد احتمال التحول إلى العمل بأجر بدلاً من البقاء خارج سوق العمل.

ورغم أن الاستراتيجية الحكومية أفادت قطاعات مثل خدمات النقل والمواد الكيميائية والمنتجات الحيوانية – حيث تتمتع مصر بقدرة تصديرية تنافسية – فإن استيراد الملابس الجاهزة والأغذية المصنعة والخضروات يُظهر أن مصر مستورد صافٍ لتلك المنتجات.

وتوضح هندي وزكي أن الدول الآسيوية لديها ميزة نسبية واضحة في هذه المنتجات، وهو ما يفسر زيادة واردات مصر منها.

ومن النتائج المهمة الأخرى التي توصلت إليها الدراسة أن الأجور الحقيقية ترتفع على المدى القصير، لكنها ستنخفض على المدى الطويل، ما يؤدى إلى تراجع في رفاهية الأسر.

ويؤكد الاقتصاديان على استنتاج بالغ الأهمية، وهو أن التحرير التجارى المتعدد الأطراف – لا من طرف واحد – هو النوع المطلوب من الاستراتيجيات، كما يتضح من استجابات الواردات والصادرات.

تحرير جديد

يمثل تحرير التجارة بالفعل أحد أعمدة الاقتصاد المصرى.

فقد وقّع رشيد محمد رشيد، وزير التجارة والصناعة، مؤخرًا اتفاقية تجارة حرة مع السوق المشتركة لدول أمريكا الجنوبية، المعروفة باسم «الميركوسور».

وتمنح الاتفاقية الصادرات المصرية امتيازًا خاصًا في دخول الأسواق اللاتينية، مقابل تسهيل استيراد السلع من تلك الدول. وتستورد مصر من هذه المنطقة سلعًا أساسية مثل السكر واللحوم وزيت الصويا، وهي سلع ذات طلب استراتيجى في السوق المصرية.

وقال رشيد: «هذه الاتفاقية ستساعد على مضاعفة حجم التبادل التجارى بين مصر ودول الميركوسور، والذى يُقدَّر حاليًا بنحو 7 مليارات دولار أمريكى».

وأشار أيضًا إلى رغبة مصر فى زيادة استثمارات التكتل في السوق المحلية، كونه خامس أكبر تكتل اقتصادى على مستوى العالم.

وتكمن الحنكة في هذه الاتفاقية الثنائية في أنها تتضمن آليات لرصد أي ضرر قد يلحق بالاقتصاد المصرى نتيجة زيادة واردات دول أمريكا اللاتينية إلى البلاد.

وتنص الاتفاقية فعليًا على حق مصر فى تطبيق إجراءات حماية انتقائية للصناعات المحلية فورًا، نظرًا لأن التأثيرات قد تكون سريعة. ويأتى ذلك بالإضافة إلى لجنة مشتركة أنشأها الطرفان لتقييم عملية التحرير المتبادل للتجارة بدقة.

وفيما بعد، دعا رشيد دول التكتل للاستثمار في مصر في قطاعات بعينها، مثل الأدوية، والمنسوجات، والآلات، وتكنولوجيا المعلومات، استنادًا إلى اعتقاده بأن دولًا مثل البرازيل والأرجنتين تمتلك مزايا كبيرة في هذه المجالات.

وقال وليد هلال، رئيس المجلس التصديرى للصناعات الكيماوية والأسمدة: «توقيع هذه الاتفاقية سيساعد على زيادة الصادرات المصرية، مما سيسهم في تحقيق هدف الوزارة المتمثل في بلوغ 200 مليار جنيه كقيمة صادرات سنوية بحلول عام 2013».

ويُذكر أن صادرات الصناعات الكيماوية والأسمدة بلغت 11 مليار جنيه في النصف الأول من عام 2010.

وتبدو هذه الاتفاقيات قد حظيت بأولوية كبيرة خلال العامين الماضيين، لا سيما فى ظل وجود وزير نشيط مثل رشيد. وقد جرى التفاوض على اتفاقيات مماثلة مع الاتحاد الأوروبى أيضًا، ولكن فى سلع وقطاعات مختلفة مثل الإنتاج الغذائى، والزراعة، والخدمات.

البحث

تلعب البيروقراطية، والإنترنت، والعوائق التجارية المنتشرة جغرافيًا، تأثيرات مستقلة في هذا السياق.

ويقول شاهير زكي: «عند محاكاة تسهيل التجارة بشكل دقيق مع الأخذ فى الاعتبار تكلفته وما يعادل الرسوم الجمركية، يظل تأثيره أعلى من تأثير تحرير التجارة. علاوة على ذلك، تشهد بعض القطاعات توسعًا ملحوظًا أكثر من غيرها، خاصة قطاعات الغذاء والملابس والمنسوجات».

ويُشير إلى أن تسهيل التجارة يمثل «فقدًا صافياً للوزن»؛ لذا من المفترض أن يستفيد جميع الأطراف من هذه العملية. لكن، عند أخذ الفساد بعين الاعتبار، فإن رفاهية موظفي الجمارك قد تأتى من الرشاوى.

ويضيف زكي: «ينبغى على الحكومة رفع أجور موظفى القطاع العام لتقليل الحافز وراء تلقى رشاوى لتسريع الإفراج عن المنتجات المستوردة».

غالبًا ما يركز الاقتصاديون على الدخل والإنفاق باعتبارهما البعدين الوحيدين للفقر. لكن بحثًا جديدًا أعده المنتدى الاقتصادى للبحوث يرى الوضع من منظور متعدد الأبعاد، ويدرس الفقر من زاوية غير نقدية.

وتتأثر مستويات المعيشة، والحصول على السلع المعمرة، ومستوى التعليم، جميعها، بتأثير تحرير التجارة على الفقر في مصر.

وتُظهر النتائج أن مستوى المعيشة في المناطق الريفية بدأ يلحق بمستوى المعيشة في المناطق الحضرية. وقد استفادت بعض الفئات المتوسطة من المجتمع من هذا التحسن، لكن الفئات الأفقر – من حيث التعليم – لم تنل نصيبها.

كما تُشير نتائج أخرى إلى أن التفاوت فى الفرص يمثل فى المتوسط 30% من إجمالى التفاوت فى الدخل. ويبدو من نتائج الدراسة أيضًا أن التفاوت الإجمالى فى الدخل قد ازداد بنسبة ضئيلة، بينما يتناقص تفاوت الفرص.

تناقض الأطراف المعنية

يبدو أن فكرة تحرير التجارة فى حد ذاتها منطقية. لكن التخطيط الاستراتيجى، والتنفيذ، والتحليل الدقيق للمدخلات والمخرجات الاقتصادية، هى جميعًا محاور تعيق القدرة على تحديد أثر التجارة على السكان بشكل واضح.

وتُظهر دراسة حديثة صادرة عن مركز العقد الاجتماعى أن الفجوة الغذائية بين الإنتاج والاستهلاك قد اتسعت.

كما تكشف أن تحرير التجارة ربط السوق المصرية بالأسعار العالمية. لكن مع وجود خلل فى السوق واحتكارات فى توزيع السلع، ارتفعت أسعار المنتجات المحلية بمعدل أعلى من الأسعار العالمية.

وفي سياق آخر، أعلن عثمان محمد عثمان، وزير التنمية الاقتصادية، أمام مجلس الشعب فى نهاية مارس أن نسبة الفقر الريفى تراجعت من 31% إلى 26%، بينما انخفضت نسبة الفقر الحضرى من 13% إلى 8.6% فى العام المالى 2008/2009.

كما رفض بشدة الادعاء بأن طبقة معينة فى المجتمع تجنى ثمار النمو الاقتصادى الحالى.

وخلال نفس الجلسة البرلمانية، خالف جودت الملط، رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات – وهو جهاز حكومى بالمفارقة – تصريحات الوزير والحكومة.

وقال أمام النواب: «إن نسبة الفقر الريفى، خاصة فى محافظات صعيد مصر، تصل إلى 40%، بينما تبلغ نسبة الفقر الحضرى 18%».

وأضاف أن الريف يضم 77% من فقراء مصر. وقد أدت تصريحات الملط إلى صدام كبير بين الجهتين الحكوميتين.

وتُجسّد هذه المعضلة كيف أن معركة تحرير التجارة لإثبات أى أثر لها على فقراء مصر – بالأرقام – قد انتهت إلى فوضى بين الأطراف الحكومية والمؤسسات الأكاديمية.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة باللغة الإنجليزية.