روسيا تشتعل؛ لا مزيد من القمح إلى مصر. يا إلهي، لا! ماما أمريكا! فرنسا العزيزة! هلّا ساعدتمونا مجددًا؟
إنه نفس الدراما المصرية المتكررة، مشكلة مزمنة مستمرة تعود جذورها إلى ستينيات القرن الماضي. لا تزال مصر عاجزة عن إيجاد حل للتحدي الخطير المتمثل في إطعام الشعب.
من جديد، تطفو أزمة الخبز إلى صدارة الأخبار. ففي نهاية أغسطس الماضى، شهدنا مشهدًا آخر من فصول دراما القمح، حين نظم نحو 150 ناشطًا سياسيًا وقفة احتجاجية ضد ما وصفوه بـ«أزمة الخبز».
وسرعان ما انتابت المصريين المخاوف فور سماع نبأ تعليق روسيا صادراتها من القمح إلى العالم، بما في ذلك مصر. الحكومة المصرية أصابها الذعر وسارعت إلى التفاوض مع منتجين آخرين. وكانت فرنسا وكندا أول من فاز بعقود لتوريد 24 ألف طن، يتم تسليمها خلال الفترة من 1 إلى 10 أكتوبر – بسرعة مثيرة للإعجاب!
ما قد يكون مقلقًا حقًا هو نظام دعم الخبز نفسه، الذي قد يصبح مهددًا. هذا النظام الذي يُعد العمود الفقري لشبكة الأمان الاجتماعي في البلاد، حيث تمثل الإعانات الغذائية نحو 1.8% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر. وقد اعتاد أنصار السوق الحرة على معارضة هذا الدعم جهرًا، في محاولة لتقليص العجز في الميزانية، الذي بلغ مؤخرًا 99 مليار جنيه.
ربما لا يدركون، من منظور اقتصادي، أن الخبز سلعة استراتيجية بالنسبة لمصر. بل يمكن تصنيفه علميًا ضمن «سلع جيفن» في الاقتصاد المصري؛ أي تلك التي قد تثير فوضى سياسية شعبية في أرجاء البلاد.
وربما لم يسمعوا عن «انتفاضة الخبز» عام 1977، حين فكر الرئيس أنور السادات في رفع دعم الخبز.
الوضع الحالي ليس بجديد: فنحن نواجه نفس الدراما بين الحين والآخر. أحيانًا لأسباب سياسية وأحيانًا أخرى لأسباب اقتصادية بحتة، لكننا لا نتخذ أي خطوة جادة نحو حل.
لطالما لعبت الولايات المتحدة لعبة القمح مع مصر، وهي نفس لعبة الجزرة والعصا التقليدية المهينة. فقد منعت التصدير من قبل، بشكل واضح كعقوبة على بناء مصر للسد العالي دون موافقتها في أواخر خمسينيات القرن الماضي.
حينها أيضًا، طلبت الحكومة المصرية المساعدة من الروس لتفادي مجاعة محتملة، ولم يتأخروا في المساعدة.
لطالما لعبت الدول المنتجة للقمح هذه اللعبة السياسية بالغذاء. ومنذ ثورة يوليو 1952 ونحن نعرف ذلك. لكننا لم نتعلم الدرس، بل كررنا نفس الخطأ مع دول مختلفة وفي أزمنة مختلفة حتى يومنا هذا.
الإنتاج المحلي للقمح في مصر يبلغ نحو ثلاثة ملايين طن، تُزرع على مساحة 3.1 مليون فدان، وهو ما يمثل فقط 40% من الاستهلاك المحلي.
يتكرر السؤال مرارًا: لماذا لا تعتمد مصر برنامجًا وطنيًا طموحًا لتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح؟ عدد من الأصوات المستقلة والمعارضة، بل وحتى من داخل الحكومة، طالبت بمثل هذا البرنامج.
يُصرّ البعض على أن مصر قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي بمجرد اتخاذ القرار السياسي. لكن للأسف، لم يكن نصيب هذا النداء إلا آلة الرد الآلي. في يوم من الأيام، وُضعت خطة – لم تُنفذ أبدًا – لاستصلاح 3.5 مليون فدان وزراعة 12 مليون طن من القمح. كان حلمًا لم يتحقق.
هانز لوفغرين، الاقتصادي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، كتب ورقة بحثية مع مجموعة من الباحثين بعنوان «إصلاح سياسة القمح في مصر»، نصح فيها الحكومة بالتركيز على دعم أبحاث التنمية الزراعية.
وأشار إلى أن استثمار الحكومة في تطوير أنواع مختلفة من القمح عالية الإنتاجية لن يرفع فقط من الإنتاجية ودخل المزارعين، بل سيساهم أيضًا في توفير القمح لصناعة الخبز، وبالتالي تقليص حجم الدعم الموجه له.
تستخدم مصر 13 مليون طن من الدقيق سنويًا لإنتاج 220 مليون رغيف مدعّم يوميًا. ويذهب 12% من هذا الإنتاج مباشرة إلى أعلاف الحيوانات، لأنه أرخص من العلف، في ظل غياب استراتيجية دعم ذكية.
في ظل هذا الوضع الصعب، ورغم أن الخبز يُعد سلعة «جيفن»، فإن الحديث بات أكبر من أي وقت مضى عن احتمال حدوث تغييرات جوهرية في طريقة توزيع الدعم. ففاتورة دعم الغذاء البالغة 16 مليار جنيه يبدو أنها تحرق مقعد الحكومة.
منذ بدايات الثورة وهناك دائمًا قلق بشأن خطر الاعتماد على واردات القمح، لكن لم يُنجز شيء لحل هذه المسألة. ومؤخرًا، بدا وكأن هذا القلق لم يعد قائمًا، كأن المشكلة تحدث في بلد آخر. أما الآن، فالمشكلة الوحيدة التي تشغلنا هي: من أين نستورد؟
شهدت العقود الماضية بعض الطروحات الرسمية المضحكة بشأن هذه القضية، إذ يرى البعض أن استيراد القمح أفضل من إنتاجه محليًا. ووفقًا لهذا الرأي، فإن زراعة محاصيل مربحة أخرى ستساعدنا في استيراد المزيد من القمح! هل نسي هؤلاء أن القمح محصول شديد التسييس، محليًا ودوليًا؟ فلا يمكن تطبيق قوانين العرض والطلب البسيطة هنا.
ومن المفارقات أن صناع القرار قد أخذوا الأمر على محمل الجد قبل سنوات. ومثال واحد فقط هو التوسع الهائل في إنتاج الفراولة. فهل نجحنا حقًا في إغواء العالم بفراولتنا اللذيذة ليمنحونا القمح دون شروط؟ ببساطة، الجواب: لا؛ فالألعاب الغذائية لا تُدار بهذه السذاجة.
والمياه حجة أخرى، خاصة مع التعقيد الإضافي الناتج عن الصراع الحالي حول إعادة توزيع مياه النيل. لكن – مجددًا لا! – فهناك أبحاث عديدة أجريت لتحديد طرق ريّ حقول القمح بكميات ضئيلة من المياه، بل وحتى بمياه البحر.
وقد أمر رئيس الوزراء أحمد نظيف مؤخرًا وزارة الزراعة بوضع خطة عاجلة للتعامل مع أزمة القمح ورسم استراتيجيات جديدة لتقليص واردات مصر من الحبوب. كما أمر بوضع خطط مستقبلية أخرى لتشجيع المزارعين على توسيع زراعة المحاصيل الحقلية والعلفية لحل أزمتي القمح واللحوم معًا.
حسنًا، أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي أبدًا. وفي سياق آخر، وبدون أي خجل، أعلنت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أن الطريق أصبح ممهدًا الآن للولايات المتحدة لتستعيد مكانتها كمصدر رئيسي للقمح إلى مصر بعد الحظر الروسي.
هذا «العودة إلى الحضن» ستُسعد بالتأكيد كثيرين من أصحاب الأيادي المتسخة – محتكرى استيراد القمح وطوابير السماسرة الطويلة الذين كوّنوا ثروات طائلة قبل أن يتوجهوا إلى روسيا قبل عامين.
تبلغ قيمة واردات القمح نحو 3.6 مليار دولار سنويًا. ويمكننا أن نتخيل الحرب بين المستوردين والمصدرين ووكلاء الخدمات اللوجستية والمسؤولين الفاسدين على هذه «الفطيرة الكاملة الحبوب» الشهية. الأمر بسيط الفهم، عندما نتذكر أن مصر هي أكبر مستورد للقمح في العالم – أكبر بلد يعتمد على الغذاء خارجيًا.
في الثالث من هذا الشهر، نشرت الصحف المصرية أن مصر تعاقدت مع الولايات المتحدة لتوريد 225 ألف طن من القمح، ليتم تسليمها بين 11 و20 أكتوبر. عمل جيد يا مصر؛ لقد تجاوزتِ الحل الحقيقي، مجددًا.
هذا المقال نشر أولًا بجريدة البورصة باللغة الإنجليزية.