«توك توك؟ توك توك؟ توك توك يا باشا؟»… هذا هو أول ما تسمعه بمجرد أن تعبر قضبان السكك الحديدية الفاصلة بين عشوائية أرض اللواء وحي المهندسين فى الجيزة. أعداد هائلة من هذه المركبات تتنقل بشكل عشوائي فى اتجاهات مختلفة، حاملة ركابًا يريدون العودة إلى منازلهم داخل شوارع الحي الضيقة.

مجدي يبدو أصغر سناً بين كثير من السائقين الذين لا تحمل مركباتهم لوحات مرورية. وافق على أن يصحبنا فى جولة عشوائية داخل المنطقة مقابل خمسة جنيهات، وسمحنا له بأن يركب ركابًا آخرين فى الطريق.

يحسب عليهم قرابة الجنيه الواحد بحسب المسافة، بينما كانت الحكومة قد أعلنت مؤخرًا عن تعريفة موحدة لا تتجاوز 50 قرشًا. لكن الناس لا يبدو عليهم الانزعاج.

ربما تعود راحتهم إلى أنهم أخيرًا وجدوا وسيلة تقلهم إلى منازلهم، بعد أن تعذر على أى وسيلة أخرى السير وسط هذه الشوارع. امرأة مسنّة تنزل ببطء من التوك توك تدعو لمجدي قائلة: «ربنا ينورلك طريقك يا ابني».

استطلاع أجرته مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء أشار إلى أن 59٪ من مستخدمي وسائل النقل العام يركبون التوك توك، وأن 76٪ من مستخدميه راضون عن الخدمة، بينما يعتقد 44٪ أن الخدمة فى تحسن. ومع ذلك، أبدى 17٪ شكواهم من صغار السن السائقين، بينما رأى 13٪ أن التوك توك وسيلة غير آمنة.

سماح عادل، إحدى زبائن مجدي، أبدت رضاها عن الخدمة لأنها توفر لها الوقت فى طريق العمل. تقول: «زمان كنت بمشي ساعات وسط الطين من مياه المجاري عشان أوصل الشارع الرئيسي وأركب الأوتوبيس. دلوقتي الطريق كله بياخد دقايق».

وحين سُئلت عن تصرفات السائقين الصغار، ردت بأنها لا ترى فى ذلك مشكلة. «الكويس والوحش فى كل حتة. أيوه في مجرمين بيسوقوا توك توك، بس إحنا نعرفهم من شكلهم. الواد ده مؤدب، أنا فاكراه».

صورة اجتماعية موصومة

تتناول وسائل الإعلام المحلية هذه الظاهرة المتنامية بشيء من الريبة، ولم تفوّت فرصة لتضخيم ما يرتبط بها من جريمة، من خلال خطاب اجتماعي ناقد. «حب فى زمن الكولا» هو اسم فيلم قصير من إخراج إبراهيم عبلة يصوّر حياة سائق توك توك شاب مدمن على المخدرات والجنس.

وقد غذّت هذه الصورة المعيبة اجتماعيًا بعض الوقائع الحقيقية، خاصة فى عام 2009، عندما وقعت جرائم صادمة. منها واقعة خطف أم ورضيعها داخل توك توك، حيث تم اغتصاب الأم لثلاثة أيام وقتل الطفل بإلقائه فى المصرف لأنه كان يبكي. حكم بالإعدام شنقًا على الجناة.

فى واقعة أخرى، اتُهم سائق توك توك بقتل تاجر أغنام بسبب خلاف على أولوية المرور فى زحام بأحد عشوائيات الجيزة، ولا تزال المحاكمة مستمرة.

مجدي، الذي يُخفي عينيه أغلب الوقت خلف نظارة شمسية ضخمة، يعتقد أن مرتكبي هذه الجرائم قلة صغيرة تسيء لسمعته وسمعة باقي السائقين. يقول: «إحنا ناس بسيطة وبساعد أسرتي بالفلوس اللي بطلعها. أختي فى الجامعة وبتحتاج فلوس للمصاريف والكتب. وهي كمان مخطوبة وأنا ناوي أساعدها تتجوز، لأني راجل البيت بعد موت أبويا. أعمل إيه غير كده؟»

ورغم ادعائه الاستقامة، فمن الواضح أنه يدخن الحشيش، وهو ما يفسر رغبته فى إخفاء عينيه أغلب الوقت. يقول: «أنا ما باخدش أى أقراص زي غيري، بس بشرب حشيش، زى ما أنت كمان أكيد بتعمل، عشان اليوم يعدي وبس أكون لطيف مع الركاب».

أدت المخاوف الإعلامية وفوضى المرور التى يسببها التوك توك وسائقوه إلى رد فعل متسرع من الحكومة، حيث تنفذ بين الحين والآخر حملات ضبط ومصادرة فى شوارع القاهرة والجيزة، تصادر خلالها مئات المركبات وتحتجزها فى ساحات المرور.

ويعترض أصحاب التكاتك الذين يعتمدون عليها فى إعالة أسرهم على هذه الإجراءات، خاصة وأن عليهم أقساطًا شهرية يجب دفعها.

فى سبتمبر الماضي، نظم نحو 280 سائقًا وأسرهم اعتصامًا أمام مبنى محافظة القاهرة ولم يغادروا إلا بعد استرداد مركباتهم. حدث مشابه تكرر فى الجيزة، وانتهى أيضًا بخضوع الحكومة للضغط الشعبي.

توكتوك مزين بعلامة فولفو مزيفة، منطقة أرض اللواء، الجيزة، القاهرة، 15 مارس 2010. (ماهر حمود)

لا يوجد عمل أفضل

كان عام 2007 يُعرف بـ«عام التوك توك». فقد تم استيراد أعداد هائلة من هذه المركبات بعد أن ارتفع الطلب عليها بشكل ملحوظ. ومع غياب أي تنظيم رسمي لهذا النشاط، وضعف أو شبه انعدام المتابعة القانونية من مسؤولي المحافظات الذين أغمضوا أعينهم عن تطورات السوق، نما هذا النشاط وازدهر بسرعة.

وبحسب صحيفة «المصري اليوم»، تشير تقارير رسمية إلى أن عدد مركبات التوك توك في مصر بلغ 650 ألفًا بحلول نهاية عام 2008. أما أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة المالية فتؤكد أن البلاد استوردت في عام 2009 وحده 210 آلاف توك توك، ما يعني أن هناك حاليًا أكثر من 860 ألف توك توك تجوب الأحياء العشوائية الحضرية والريفية في مصر.

أحمد الهندي، المدير التنفيذي لشركة «الوطنية لوجيستكس»، هو أحد المستوردين المشاركين، إلا أنه لا يعمل في بيع التوك توك بالتجزئة. يقول: «تجار الجملة من القاهرة والجيزة والمحلة يطلبون مني استيراد التوك توك لتوزيعه بالتقسيط على الأفراد أو على تجار صغار آخرين».

يرفض الحديث عن أرقام محددة، لكنه يشير إلى أن كميات كبيرة من هذه المركبات تصل إلى ميناء دمياط حيث يباشر عمله، وكذلك إلى موانئ أخرى، وتأتي الشحنات أساسًا من الهند وماليزيا.

يقول الهندي: «هو مشروع بسيط جدًا ومربح، كل ما عليك الاهتمام به هو مواصفات الموتور، والتي يجب أن تكون مزودة بدوائر زيت ووقود منفصلة. هذا هو الشرط الوحيد الذي فرضته وزارة البيئة مؤخرًا».

أما مجدي، مرشدنا في جولة أرض اللواء، فهو لا يمتلك التوك توك الذي يقوده. يدفع 30 جنيهًا يوميًا (عن ثماني ساعات) لصاحب المركبة، الذي اشترى اثنتين بالتقسيط. يقول مجدي، الذي يبدو أنه لم يتجاوز الحادية والعشرين بعد: «أحيانًا بكسب 60 أو 70 جنيه في اليوم، وأحيانًا تانية مش بطلع حتى 20. بس أنا بحب شغلي، سهل ومسلي».

ويضيف: «إحنا بنساعد بعض هنا، لأن أغلبنا ما معهوش رخصة. بنبعت لبعض رسايل أو نتصل لما يكون في حملة مرورية. ولو خدوها مني، صاحب التوك توك بيعرف يرجعها، لأن كل حاجة ليها تمن في مصر، وكده الحياة ماشية».

وبحسب سائقين آخرين، يتراوح سعر التوك توك الواحد بين 20 ألف و30 ألف جنيه، مع مقدم يتراوح بين 5 آلاف و10 آلاف جنيه، وأقساط شهرية حوالي 500 جنيه تُدفع للتجار.

الجدل حول التوك توك

نجح التوك توك في أن يتحول إلى قضية سياسية بارزة داخل البرلمان والوزارات المعنية. ففي قراره الجمهوري رقم 51 لسنة 2009 المتعلق بتعديل التعريفة الجمركية على الواردات، أمر الرئيس حسني مبارك بتخفيض الجمارك على التوك توك من 20٪ إلى 10٪ بهدف خلق فرص عمل ودخل للفقراء.

وقد اعتُبر هذا القرار إشارة قوية من الرئيس إلى الحكومة بضرورة التحرك بسرعة لحل الفوضى القانونية والاجتماعية المرتبطة بالتوك توك، والتي كثيرًا ما كانت حاضرة في التغطيات الإخبارية.

وفي فبراير، أنهى وزير المالية يوسف بطرس غالي العمل على قرار بضم سائقي التوك توك إلى مظلة التأمينات الاجتماعية للتقاعد والعجز والوفاة.

وقالت الوزارة في بيان صحفي إن على كل سائق دفع 10٪ من الحد الأدنى لأجره الشهري (والمُقدر بـ112 جنيهًا)، أي ما يعادل 11.20 جنيه شهريًا. وسترتفع هذه القيمة سنويًا بنسبة 10٪ لضمان معاشات ملائمة.

تحرك محافظ الجيزة، سعيد عبد العزيز، بسرعة لإطلاق حملة لتقنين أوضاع التوك توك داخل محافظته. وانتهت هذه الحملة مع بداية مارس بترخيص 5000 مركبة لمدة عام واحد فقط، مع إمكانية التجديد، ومخصصة فقط للمالكين المولودين في الجيزة.

وبحسب اللوائح الجديدة، يُسمح بالسير في مسارات محددة داخل مناطق محددة، ويُعاقب من يخالف القواعد. ويجب أن يُطلى كل توك توك باللون الأزرق الداكن، وأن يحمل ملصقًا يوضح اسم خط السير والتعريفة الثابتة (50 قرشًا). كما تحظر اللوائح استخدام أي ملصقات أو علامات داخلية أو خارجية، أو مكبرات صوت أو أبواق أو أجهزة موسيقية.

ورغم أن هذه اللوائح قد تبدو على الورق حلاً لتخفيف «وجع رأس التوك توك»، إلا أن التطبيق العملي يكشف أن المركبات المرخصة تمثل فقط نسبة ضئيلة من أسطول التكاتك الذي يجوب شوارع الجيزة، والذي لا يفعل في الواقع سوى عكس ما تنص عليه التعليمات.

في النهاية، يبدو الأمر كقطرة في بحر من الفوضى المرورية والسلوك الاجتماعي المنفلت والعبث التجاري، التي لا تزال تتصدر عناوين الأخبار. ولا تزال هذه الظاهرة تمثل مادة غنية للإعلام، ما دفع إلى إنتاج مسلسل كوميدي جديد بالكامل بعنوان «توك».

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة باللغة الإنجليزية.