يُعدّ الفول من الأكلات المفضّلة لدى المصريين، وهو كذلك مصدر لمشروع تجاري مزدهر.
في كل ركن تقريبًا من شوارع مصر، تجد عربة حمراء اللون، بعجلتين خشبيتين، دون محرّك أو حصان يجرّها.
ذلك الشيء الدائري الضخم في وسطها ليس تمثالًا لبوذا، والأشخاص المتجمّعون حوله ليسوا من أتباعه. إنها ببساطة عربة الفول الشهيرة، التي يتربّع على عرشها «القدرة» – الوعاء المعدني الكبير.
الفول هو الاسم المحلّي للفاصوليا المطبوخة، وهو أكثر الأطعمة شعبية بين المصريين، غنيّهم وفقيرهم على حد سواء. إنه طقس صباحي يومي، وأحيانًا طقس مسائي كذلك.
الفول هو مشروع الفقراء، ويُفترض أنه للفقراء، لكنه يستهوي الأغنياء أيضًا، وفي بعض الأحيان يُغني بعضًا من هؤلاء البائعين الفقراء.
الأمر لا يتعلّق بإدارة معقّدة أو دفاتر حسابات مضبوطة، ولا حتى بالتنظيرات الأكاديمية حول ريادة الأعمال أو التخفيف من الفقر. المسألة كلّها في روح الفول ونكهته.
وبحسب الغرفة التجارية المصرية، يستهلك المصريون نحو 2.5 مليون طن من الفول سنويًا – حوالى 200 ألف طن شهريًا، مع ارتفاع بنسبة 30٪ خلال شهر رمضان المبارك، حيث يُعتبر الفول وجبة أساسية في السحور.
«زيكو» أحد هؤلاء الباعة المتجوّلين. يعمل في منطقة عين شمس شمال القاهرة، وهي منطقة ذات دخل منخفض إلى متوسط، يسكنها أكثر من مليون نسمة. على ناصية بشارع منشية التحرير، يدير «زيكو» مشروعه الناجح بوضوح.
الساعة الثانية صباحًا، ووقت السحور قبل أذان الفجر، و«زيكو» في غاية الانشغال بتقديم الفول لزبائنه. على الأقل، هناك أربعة مقاهٍ ممتلئة بالزبائن الذين يطلبون، بطريقة شبه ذاتية الخدمة، وجبات بنحو 3 جنيهات. يجدون مقعدًا لتناولها ويختتمون بشاي أو مشروب مقابل جنيهين أو أقل.
لا يتبادل «زيكو» الأحاديث مع زبائنه. فقط يبتسم بلا انقطاع، متجاهلًا تكرار النداء المزعج: «زيكو يلا يلا!» من أكثر من عشرة زبائن في انتظار طبقهم، قبل الانضمام إلى مئات يجلسون بالفعل في المقاهي المجاورة يستمتعون بالفول – تلك المقاهي التي تُسعد بلا شك بوجود زيكو بجوارها.
من الصعب الحصول على أي معلومة من «زيكو» – أيقونة عين شمس. يردّ على الجميع بالنظرة ذاتها والابتسامة نفسها. لكن مشاهدته وهو يعمل كفيلة بأن تشرح كيف يمكن لمثل هذا المشروع أن يحقق نجاحًا مدهشًا.
مثال آخر على النجاح هو «محروس» في جاردن سيتي، الأقرب إلى وسط البلد. أما «محروس» نفسه، فهو شخصية شبه غائبة. لا يُرى في محيط مشروعه. نجاحه يبدو ظاهرة قائمة بذاتها. للأسف، لا يتواصل مع وسائل الإعلام، حسبما أفاد أعضاء فريقه الكبير الذين بدا عليهم الخوف من الحديث مع الصحفيين.
تحوّل محل «محروس» للفول إلى مقصد سياحي محلي يحرص بعض الأجانب المقيمين في القاهرة على زيارته. وتنتشر شائعات بأن النجم الكوميدي «عادل إمام» من زبائنه. لم يره أحد هناك حتى الآن، لكن طبق الفول ممتاز والمشهد العام مسلٍ.
الشارع الذي يقع فيه «محروس» والشوارع المؤدية إليه تختنق بالسيارات كل ليلة من ليالي رمضان في وقت السحور، وأحيانًا في الليالي العادية – إذ لا يعمل محل «محروس» نهارًا أبدًا.
مركبات فاخرة من طراز مرسيدس الفئة S، وجيب شيروكي، وهمر، وغير ذلك، تُركَن في كل مكان. فتيان وفتيات من الطبقة العليا، بمظهر عارضي الأزياء، يأتون للتجوال بين «الفقراء» – لكنهم في المكان الخطأ، فلا يوجد هنا فقراء فعليون. وجبات «محروس» تُقدَّم بسعر 15 جنيهًا في المتوسط، شاملة السلطة والبطاطس المقلية. هذا السعر يُعدّ زهيدًا لهؤلاء، لكن ربما لا يعلمون أنه على بُعد خمس دقائق فقط يوجد مكان يقدّم جميع الأصناف مقابل 5 جنيهات فقط.
عربة فول أقل ازدحامًا يملكها «كامل البسيوني» في وسط البلد. يشرح ملاحظاته حول زبائنه قائلًا: «أي حد، مهما كانت طبقته، يقدر ياكل وجبتي اللي بـ3 جنيه – حتى لو كان مليونير. فولى بيجّنن».
ثم يضيف ضاحكًا: «لكن وقت الظهر ده وقتنا إحنا الفُقرا. مش قادرين ناكل لحمة. الناس بتعاني. قول يا رب وخلي الفول دايمًا لينا».
مشروع الفول قد يُحقّق ربحًا بنسبة 200٪، وأحيانًا أكثر بكثير. كل قدرة تحتوي من 8 إلى 10 كيلوغرامات من الفول. الفول المحلي يُكلف 6 جنيهات للكيلو، بينما المستورد يتراوح بين 3.5 و4 جنيهات.
إلى جانب أنواع السلطات والمخللات، وأحيانًا الساندويتشات الجاهزة، يحقق بائع فول متوسط – غير تابع لفئة «زيكو» – ربحًا صافياً يبلغ حوالى 300 جنيه يوميًا من قدرة واحدة.
لكن الربح يقلّ في عطلة نهاية الأسبوع، لأن عربات الفول تستهدف بشكل رئيسي المارة في طريقهم إلى العمل، ولهذا تختفي أغلبها في أيام العطلات.
على بُعد بضعة شوارع من «البسيوني»، بائع فول شاب لديه قصة مختلفة. «شحاتة عسران»، شاب صعيدي يبلغ من العمر 28 عامًا، جاء إلى القاهرة بعد أن فقد الأمل في العثور على وظيفة.
تخرّج «عسران» من جامعة أسيوط، يحمل شهادة بكالوريوس في التربية. كان يحلم بأن يصبح معلمًا، متأثرًا بأستاذ ألهمه، لكنه لم يُحذّره من أن التعليم ليس وظيفة للعيش في مصر. «بعد التخرج، قعدت 3 سنين من غير شغل. لحد ما لقيت وظيفة مؤقتة بمدرسة حكومية بـ115 جنيه في الشهر»، يقول «عصران».
وبعد عام من التدريس، أدرك أنه أخطأ في الحلم وفي البلد. انتقل إلى القاهرة، واشتغل في أعمال متواضعة لسنوات، إلى أن جاءت فكرة عربة الفول.
دلوقتي، الحمد لله، أنا في أحسن أيام حياتي. داخل على جواز بعد العيد»، يقول وهو مبتسم.
وعن سر النجاح، يوضح: «كل حاجة بإيد ربنا! إنت اشتغل وربنا بيرزق».
ثم يضيف واقعيًا: «كل واحد ليه خلطة وطعم. مش سحر، دي شطارة وخبرة. وأنضف حاجة أهم من كل ده، وشّ بشوش ولسان حلو».
«كريم عادل»، مندوب مبيعات وزبون دائم لعربة «عصران»، يتناول السحور مع أصدقائه في حوالى الساعة 2:30 صباحًا. يقدّم تفسيره الخاص لنجاح «عسران»:
«في الأيام العادية، مقدرش أبدأ يومي غير لما آكل فول عند شحاتة، أشرب شاي من القهوة اللي جنبه، وأدخن سيجارة كليوباترا. لو ما شفتش «عصران» وما عملتش الروتين ده، يومي بيتشقلب».
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصةباللغة الإنجليزية.