شخصية اقتصادية وفكرية بارزة في المنطقة مثل جلال أمين، مؤلف الكتاب الأكثر مبيعًا «ماذا حدث للمصريين؟»، لا يكف عن تحدي قرائه بأفكار تثير التفكير، كما اعتادوا منه. ويضيف كتابه «خرافة التقدم والتخلف: العرب والحضارة الغربية على أعتاب القرن الحادي والعشرين» إلى سلسلة طويلة من كتاباته المؤثرة، التي تدفع القراء إلى التشكيك في الحقائق المُسلّم بها.

يتناول أمين في هذا الكتاب ما يصفه بـ«الملصقين» المتضادين اللذين يُلصقان بالأمم: «التقدم» و«التخلف»، ويتساءل: من يملك سلطة إطلاق هذه الأوصاف؟ وعلى أي أساس؟ وكقومي عربي أو، ربما بدقة أكبر، كمحب كلاسيكي للحضارة العربية، يربط هذا الجدل بالعلاقة الديناميكية بين أمته والغرب، الذي يحتكر في الوقت الراهن سلطة التعريف والترويج لهذه المصطلحات في المؤسسات الأكاديمية.

يتناول أمين بالدراسة مفاهيم التخلّف والتأخر وعدم النمو، متسائلًا عن مدى صلاحية هذه المفاهيم، وهل من المنطقي تصنيف الدول إلى متقدمة ومتخلفة؟ ويقول إن مفهوم التقدم والتخلف ليس إلا فكرة حديثة نسبيًا، ظهرت مع بروز الفروقات الصارخة بين الأمم. ويؤكد أن الاقتصاديين المهتمين بالتنمية يدركون أن النمو الاقتصادي وحده لا يمكن اعتباره مقياسًا وحيدًا للمقارنة بين الدول.

ويرى أنه من العبث تصنيف الدول من حيث درجة «تقدمها» في ما يخص التنمية البشرية. ويصر على رفض فكرة أن العرب يمكن تصنيفهم كـ«متخلفين» ضمن هذا الإطار.

كما يهاجم أمين الفكرة المبسطة التي تروج لتفوق بعض الدول في مجالات الحرية والديمقراطية. ويشير إلى أن حتى الدول التي تُوصف بالديمقراطية تختلف فيما بينها في تفسيرها وتطبيقها لمفاهيم حقوق الإنسان، تبعًا لاختلاف ثقافاتها.

ويقدم أمين، المثقف السبعيني وابن عصر الآلة الكاتبة، طرحًا مثيرًا للجدل حول ثورة المعلومات، ويرى أن أضرارها قد توازي أو تتفوق على فوائدها.

ويتجاوز أمين ما يسميه بـ«الخرافة» ليغوص في ما يصفه بنظرية مؤامرة يسعى إلى تفكيكها. إذ يعتبر الإرهاب اختراعًا غربيًا جديدًا، أُعد خصيصًا للسيطرة على موارد وثروات الأمم الأخرى.

وباعتباره أستاذًا للاقتصاد في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وصاحب شغف عميق بالأدب العربي والأجنبي، يدمج أمين خلفيته الثقافية الغنية في مزج فريد بين الأدب والاقتصاد. ويستعين بأفكار ألدوس هكسلي وجورج أورويل، معتبرًا أن رؤيتهما لمستقبل البشرية على هيئة «تقدّم متخلف» كانت نبوءة مبكرة. بل إن الفصل الحادي عشر من الكتاب يحمل عنوان «التقدم المتخلف».

ويقوم أمين في جميع فصول الكتاب بتفكيك مفاهيم راسخة، مثل التنمية الاقتصادية، والتنمية البشرية، والحرية، والديمقراطية، والرأسمالية، وحقوق الإنسان، وثورة المعلومات، والأخلاق، والإرهاب. وينهي كتابه بتأمل فلسفي في فصل عنوانه «إصلاح أم تحديث؟».

ويكتب أمين: «لكن هناك بصيص أمل في أن تتمكن الحضارات غير الغربية من تحقيق إصلاح مستهدف من دون الانصياع الكامل لحداثة مفروضة». هذه العبارة تُلخص أسلوبه في الكتابة: نقدي لاذع، يبدو قاسيًا أحيانًا، إلا أن تفاؤله الهادئ يبرز دائمًا في خواتيمه.

ويُبرز أمين هذا الأمل، قائلًا إن الإصلاح الحقيقي يمكن أن يتحقق بعيدًا عن مفاهيم التحديث المفروضة، بحيث يبقى التقدم منسجمًا مع جذور الأمة وهويتها.

الكتاب مكتوب باللغة العربية، ولم يُترجم بعد، إلا أن ترجمته ستكون ذات قيمة عالية في إيصال فكر أمين إلى جمهور أوسع من غير الناطقين بالعربية. وكما في باقي مؤلفاته، يتردد صدى هذا الكتاب في أوساط الأمم الساعية لفهم تطور الفكر الإنساني.

نُشرت نسخة أخرى من هذا المقال بجريدة البورصة باللغة الإنجليزية.