شخصيات مصر الحقيقية كثيرًا ما تُنسى في ظل انبهارنا بنجوم الفن، ما يؤدى إلى طمس التاريخ الحي لأشخاص كرسوا حياتهم لمساعدة المواطنين العاديين على الحلم بمستقبل أفضل.
كتاب «إعادة بناء الريف المصري: أحمد حسين وتاريخ التنمية في مصر» تأليف آيمي ج. جونسون، يُعد محاولة نادرة لإزالة الغبار عن تلك الرموز الإنسانية وتكريمها. ويُعد أحمد حسين، رائد التنمية الريفية، واحدًا من هؤلاء.
يُعتبر حسين من أبرز المصلحين وأحد أكثر علماء الاجتماع المصريين تفانيًا وإنجازًا في زمنه. ويُقال إن أفكاره بشأن تنمية الريف جرى تبنيها كنماذج عالمية في منتصف القرن العشرين.
وُلد حسين لأسرة مصرية بارزة، وتلقى تعليمه في ألمانيا، وبدأ مسيرته المهنية كمفتش بالحكومة في وزارة الزراعة. وفي عام 1939، ساهم مع عدد من زملائه في إنشاء وزارة جديدة بمصر، هي وزارة الشؤون الاجتماعية.
وبصفته أول رئيس لإدارة الفلاحين بالوزارة الجديدة، صاغ حسين خطة لإعادة بناء الريف المصري. وكان حجر الأساس في هذه المبادرة مشروع مراكز التنمية الاجتماعية الريفية، وهو برنامج إصلاحي اجتماعي ريفي حظي بنجاح لافت وتقدير دولي. وخلال فترة عمله بالوزارة، والتي انتهت بعد ثورة يوليو 1952 بفترة وجيزة، عمل حسين بلا كلل على دعم هذا البرنامج.
وفي عام 1953، عيّنه الرئيس جمال عبد الناصر سفيرًا لمصر لدى الولايات المتحدة، حيث أقام حسين علاقات شخصية قوية مع الرئيس الأمريكي أيزنهاور، ما ساعد في الحصول على دعم لانسحاب القوات البريطانية من منطقة قناة السويس.
لكن حسين لم يكن دبلوماسيًا تقليديًا، كما أن علاقته بعبد الناصر لم تكن سلسة. فقد بلغت خلافاتهما ذروتها في مواجهة حاسمة عام 1958، حين أصر حسين على الاستقالة، وهو قرار عارضته الحكومة بشدة. وبعد استقالته، كرس حياته لأسرته وأصدقائه وأبحاثه الخاصة حتى وفاته عام 1984 عن عمر ناهز 83 عامًا.
ورغم أن القصة جديرة بأن تُروى، فإن كتاب جونسون لا يُعد سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي. فلم يكن من الممكن أن يكون كذلك، إذ كان حسين حريصًا بشدة على خصوصيته، ورفض إجراء أي مقابلات صحفية بعد تقاعده بسبب خلافه مع ناصر. بل إن الكتاب يركّز على أفكاره وإسهاماته في سياسات التنمية بمصر خلال تلك الحقبة.
تغوص آيمي ج. جونسون في كتابها في أفكار حسين ورؤيته بشأن تنمية الريف، مستعرضة مسيرته القصيرة نسبيًا لكن المؤثرة، محاولة كشف أكبر قدر ممكن من ملامح حياته الخاصة.
وتستعرض الكاتبة نشأته، وحياته الأسرية، وتعليمه في مصر وألمانيا، وكيف شكّلت تلك الخبرات رؤيته للإصلاح الاجتماعي. ثم تنتقل لتحليل مسيرته المهنية في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، حين عمل أستاذًا جامعيًا ومفتشًا بوزارة الزراعة، وركّزت على جهوده الإصلاحية الأولى.
ويتناول الكتاب دور حسين في تأسيس وزارة الشؤون الاجتماعية عام 1939، وعمله بها حتى عام 1950. وتضع جونسون مشروع مراكز التنمية الاجتماعية الريفية في سياق أوسع من النقاشات الإصلاحية التي سبقت الثورة. كما تناقش اعتراف المجتمع الدولي بإسهاماته، خصوصًا خلال توليه منصب وزير الشؤون الاجتماعية عام 1950، واتساع برامج التنمية التي قادها حتى استقالته. ثم تستعرض الكاتبة مشاركته في المبادرات الإصلاحية الدولية وغير الحكومية.
وتُقدّم جونسون قراءة معمقة في العلاقة المعقدة بين حسين وعبد الناصر، وتأثير الثورة على مشروعه، وتختتم بتأمل يُحيي التقدير لنهج حسين في التنمية، مشيرة إلى أن أفكاره تعود الآن إلى الواجهة في مصر بعد نصف قرن من استقالته.
نُشرت نسخة أخرى من هذا المقال بجريدة البورصة باللغة الإنجليزية.