تهدف الحكومة من خلال مشروع قانون جديد لوظائف القطاع العام إلى تنظيم الطوابير الطويلة عبر معالجة ظواهر «الكوسة»، والفساد، وعدم الكفاءة، والتفاوت في الأجور. لكن يبقى السؤال: هل لدى الحكومة إرادة حقيقية لإصلاح نظام يعانى من تدني الرواتب، وانعدام الرضا، وانفلات المساءلة؟
عقدت مجموعة الشؤون السياسية والتشريعية بمجلس الوزراء اجتماعًا في نهاية أغسطس لمناقشة مشروع القانون المقترح. ضمت المجموعة وزراء الشؤون القانونية والبرلمانية، والتنمية الإدارية، والتضامن الاجتماعي، إلى جانب عدد من الخبراء القانونيين.
وقال مفيد شهاب، وزير الشؤون القانونية والبرلمانية ورئيس الاجتماع، إن المجموعة اطلعت على مشروع القانون، وستبدأ دراسته تفصيليًا قريبًا.
وبحسب شهاب، يهدف القانون إلى وضع قواعد جديدة للعاملين بالجهاز الإداري للدولة، وتبسيط إجراءات التعيين والتعاقد والنقل والندب، ومعالجة القضايا المزمنة المرتبطة بالمساءلة، والرقابة، والمكافآت، والرواتب، والترقيات. كما ناقش الاجتماع قرار رئيس الوزراء بتشكيل لجنة تنسيقية لمكافحة الفساد.
تأتي هذه اليقظة الرسمية استجابةً لحالة الغضب المجتمعي المتزايدة من تفشي الفساد في التعيينات الحكومية، وهي حالة عبّر عنها المواطنون في منتديات عدة. مؤخرًا، حظيت مجموعة مصرية على موقع فيسبوك بعنوان «لا للواسطة، سرطان العصر» باهتمام كبير، وجذبت أكثر من 630 عضوًا حتى الآن.
هناك قناعة متزايدة اليوم بأن المصريين المولودين في بيئات فقيرة لا يمكنهم النجاح دون «كوسة» – وهي كلمة عامية تشير إلى الواسطة أو العلاقات التي تفتح أبواب الوظائف.
لقد تغيّرت صورة القطاع العام جذريًا. ففي أوائل القرن العشرين، كانت الوظيفة الحكومية – التي يمثلها البدلة وربطة العنق والطربوش قبل ثورة يوليو – حلمًا للشباب، لما تمنحه من هيبة اجتماعية وأمان مالى.
أما اليوم، وفى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فقد أصبحت وظائف الحكومة مرادفة للفساد، سواء فى سبل الحصول عليها أو أساليب أدائها. ولم تعد هذه الوظائف تضمن حتى الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية.
ما زال بعض القطاعات العامة – مثل البترول، والغاز، والكهرباء، والاتصالات – تجذب الباحثين عن وظائف، لكنها غالبًا ما ترتبط بالرشاوى، وتمنح رواتب ضخمة لأصحاب العلاقات. وغالبًا ما تُعلن الوظائف بعد تعيين من تم اختياره بالفعل.
ويبدو أن الحكومة بهذه المبادرة وضعت نفسها أمام مهمة معقدة وشاقة، وإن كان الطريق إلى هذا التعقيد مرصوفًا بإدارتها السيئة على مدار سنوات.
القطاع العام يخسر أمام القطاع الخاص ووظائف الخليج
ورغم الطلب الكبير على وظائف الحكومة بين المصريين العاديين، فإن عددًا متزايدًا من الموظفين ذوي الكفاءات العالية يتركون وظائفهم سعياً وراء فرص أفضل في القطاع الخاص أو في دول الخليج ذات الرواتب الأعلى.
ونقلت صحيفة «المصري اليوم» عن أحمد درويش، وزير التنمية الإدارية، إقراره بأن الحكومة تواجه عجزًا في بعض التخصصات الفنية، نظرًا لعدم قدرتها على منافسة رواتب القطاع الخاص أو الدول العربية الأخرى.
وفي الأشهر الأخيرة، ارتفعت الأصوات المطالبة بتحديد حد أدنى عادل للأجور لا يقل عن 1200 جنيه لتغطية الاحتياجات الأساسية. بينما يبدأ خريجو الهندسة والبرمجة والمحاسبة في الخليج برواتب تقارب 10 آلاف جنيه شهريًا.
وانتقد صلاح نصر، رئيس شعبة العمال باتحاد الغرف التجارية، بشدة اقتراح الحكومة رفع الحد الأدنى للأجور إلى 900 جنيه فقط، مؤكدًا أن هذا المبلغ غير كافٍ، خصوصًا في ظل محاولات الحكومة الحفاظ على الكفاءات المتخصصة.
لا عدالة في منظومة الأجور
تتكون الأجور في القطاع العام من عدة مكونات، ما يجعل الموظفين غير قادرين على توقع رواتبهم الشهرية بدقة.
ويُعد الراتب الأساسي هو العمود الفقري، ويُحسب وفقًا لدرجات وظيفية تبدأ من الدرجة السادسة وحتى الدرجة الأولى. ويُضاف إليه علاوة دورية. كما أُضيفت علاوة خاصة في عام 1987 تُدمج بعد خمس سنوات ضمن الأساسي.
ويشمل الراتب المتغير علاوات خاصة غير مضمونة تُحسب كنسبة من الأساسي، ووصلت إلى 95% منه في يوليو 2009. ويضاف إليها علاوة اجتماعية بقيمة 10 جنيهات منذ 1982، و«معونة عمالية» بنفس القيمة شهريًا. وتُمنح مكافآت إضافية حسب الدرجة الوظيفية.
وعوضًا عن رفع الرواتب الأساسية إلى مستويات واقعية، لجأت الحكومة إلى نظام ترقيع عبر منح علاوات ومكافآت لإخماد الغضب، لكن دون بلوغ المستوى المقبول.
فمثلًا، يتقاضى الموظف بالدرجة السادسة راتبًا أساسيًا بمتوسط 150 جنيهًا، ولا يتجاوز إجمالي دخله الشهري 450 جنيهًا.
رواتب موازية… مشاكل موازية
ونظرًا لعدم جاذبية قواعد الأجور الحكومية للكفاءات، نشأت منظومة توظيف موازية، غير رسمية، برواتب مرتفعة، لتلبية الاحتياجات العاجلة.
وبات هذا النظام أحد ملامح الهيكل الإداري، ونتج عنه مشكلات هيكلية؛ أبرزها تقسيم العاملين إلى فئتين: منخفضي الأجر ومرتفعي الأجر، ما أوجد ازدواجية في صنع القرار، وتسبب في إحباطات حادة لدى العاملين في المسار التقليدي.
كما أن استمرارية هذا النظام مشكوك فيها لعدم رسميته، ما يُضعف من مصداقية القرارات الصادرة عن «النخبة» من الموظفين، الذين لا يخضعون فعليًا للمحاسبة.
ويقول جوناثان سيلفاراكيس، أستاذ اقتصاديات العمل بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، إن الطلب على وظائف القطاع العام سيظل قائمًا، رغم سوء الممارسات داخله، «ببساطة لأنه توجد ممارسات أسوأ في القطاع الخاص»، في إشارة إلى الشركات التي تستغل حريتها لتجاوز أبسط حقوق العمال المعترف بها في أسواق العمل الأخرى.
ويضيف: «إذا أصلحت الحكومة تنظيم الوظائف العامة، وواجهت الفساد والقصور وتدني الأجور، فسيُجبر القطاع الخاص على اتخاذ خطوات مماثلة للحفاظ على موظفيه الحاليين أو اجتذاب الجدد».
نشر هذا المقال أولاً بجريدة البورصة باللغة الإنجليزية.