يتذكر مئات الملايين من دعاة التحرر من الظلم والاستعباد ومقاومي الاحتلال من يساريي العالم وحتى بعض اليمينيين سنويا مؤامرة قتل المناضل إرنستو تشي جيفارا في التاسع من أكتوبر عام 1967 على يد وحدة من الجيش البوليفي بتخطيط من المخابرات الأمريكية المركزية.

ذلك الجيفارا الذي خط بدمه نموذجا من الكفاح “الخيالي” من أجل تحرير الإنسان من الظلم أينما وجد على وجه الأرض بغض النظر عن لون أو عرق أو جغرافيا، جاعلا من نفسه عن غير عمد أشهر مناضل في التاريخ الإنساني المعاصر.

وقد ولد جيفارا عام 1928 في الأرجنتين، ودرس الطب هناك. وفي جولته على دراجته البخارية حول دول أمريكا اللاتينية تشكلت شخصيته الثورية الرافضة للفقر والظلم المدعوم من القوى الإمبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة التي كانت تدبر المكائد والثورات الموالية لها للسيطرة على ثروات تلك القارة.

وفي المكسيك تقابل مع فيدل كاسترو، زعيم الثورة الكوبية، وأصبحا الصديقين الأكثر ولاء من الأشقاء لبعضهم البعض ولمبادئ ثورة التحرير في كوبا التي أصبحت موطن جيفارا لاحقا. وبدون الدخول في تكرار القصة الإنسانية الأسطورية المعروفة عن هذا المحرر، يستدعينا أحد جوانب حياة تشي السياسية الاقتصادية التوقف والتأمل، وهي تولي تشي جيفارا منصب رئاسة البنك المركزي بعد نجاح الثورة الكوبية.

وخلال ترؤسه للبنك، نجح جيفارا في رفع الطلب على العملة الكوبية كنتيجة لاشتهارها عندما كان يوقع عليه بكلمة “تشي”. وكان السؤال الأول الذي سأله تشي لموظفيه عندما تولى إدارة البنك، “أين تودع كوبا احتياطي ذهبها ودولاراتها؟” . وعندما أخبروه في فورت نوكس بالولايات المتحدة، غضب وبدأ مباشرة في تحويل احتياطي الذهب الكوبي لعملات غير أمريكية تم تصديرها للبنوك الكندية والسويسرية من أجل فك هذا الارتباط الاقتصادي المرفوض بالنسبة له ولثورته.

لكنه كحالم ماركسي سائر على مبادئ لنن الشيوعية التي لم تر النور قط حتى في أوج مجد الثورات الاشتراكية الكبرى في بدايات ومنتصف القر العشرين، أصر جيفارا كمسؤول اقتصادي على تحقيق البعد الإنساني “الفاضل” للثورات الماركسية التي فشل كل من سبقوه في الالتزام به كما كتن هو ينتقد الاتحاد السوفيتي بقوة وأحيانا كان يعارض كاسترو في ميله للتعاون مع الروس حينها.

بدأ تشي في تطبيق حلمه “بالمدينة الفاضلة” التي يعمل فيها المجتمع فقط من أجل قيمة العمل، حيث كان من المفترض أن يعمل الجميع برغبتهم الخاصة دون إجبار أو ترغيب. فلم تكن هناك رواتب يحصل عليها العمال أو المزارعون. وقد قدم تشي نفسه كنموذج لهذا النوع من العمال حيث انتشرت صوره الشهيرة الجذابة نصف عار يرتدي بنطالا فقط وبيده معول يعمل في جني محصول القصب الهام بالنسبة للاقتصاد الكوبي، أو مطرقة كبيرة يساعد العمال في شق أحد الطرق الجديدة.

مر عام على هذا النموذج الخيالي الحالم، وانهار الناتج الإجمالي لكوبا إلى النصف تقريبا، وتسكع الكوبيون في الشوارع والحانات حيث كان ياتيهم الطعام دون عمل. وثبت له أن الطبيعة البشرية لا تعمل بناء على تلك الأفكار الأفلاطونية الغير واقعية. فشل جيفارا، واعترف بذلك، وقرر ترك السياسة لأصحابها، وكوبا لزعيمها وصديقه كاسترو. ببساطة اعترف بصدق بأنه لم يكن ليصلح لتلك المهمة. وهو الأمر الغير مألوف اقتصاديا حيث يدأب أصحاب القرار على الجدل بالباطل إلى أن تسقط الأمم في الفقر. الأمر الذي تكرر تقريبا في كل الدول التي شهدت هذا النوع من الثورات، التي لم ينب شعوبها غير الكتاتورية ومزيد من الجوع وحصار الغرب لهم.

 قرر تشي مواصلة النضال في تحرير شعوب الأرض داعما لفيتنام والجزائر وتشيلي، وملهما لكل الشعوب المناضلة من أجل التحرر زائرا للكثير من دول العالم الثالث ومقابلا لرموز التحرر العالمي وقتها ومنهم عبد الناصر في مصر وأحمد بن بلة في الجزائر. مساندا مع مجموعة من مؤيديه واتباعه ثورات التحرر هنا وهناك، فبعد مساندته باتريس لومومبا في ثورته ضد الاحتلال البلجيكي في الكونجو، ظهر فجأة في بوليفيا التى شهدت نهايته المأساوية، حيث قال لقاتله: أطلق النار، لا تخف، إنك ببساطة ستقتل مجرد رجل. ولكنه تراجع، ثم عاد مرة أخرى بعد أن كرر قائده الأوامر له فأخذ يطلق الرصاص من أعلى إلى أسفل تحت الخصر حيث كانت الأوامر واضحة بعدم توجيه النيران إلى القلب أو الرأس حتى تطول فترة احتضاره، إلى أن قام رقيب ثمل بإطلاق رصاصه عل جانبه الأيسر فأنهى حياته.

وقد رفضت السلطات البوليفية تسليم جثته لأخيه أو حتى تعريف أحد بمكانه أو بمقبرته حتى لا تكون مزارا للثوار من كل أنحاء العالم، الأمر الذي يعد لغزا حتى وقتنا هذا.

لقد أصبح تشي جيفارا رمزا خالدا لدى اليساريين في هذا العالم على الرغم من فشل نظرياتهم وثوراتهم في خلق المدينة الفاضلة. لكنه على حد سواء كسب احترام اليمينيين من نفس هذا العالم فقط لنه أخلص وضحى بحياته من أجل تحرير الإنسانية. حتى أن بعض العرب والمسلمين يطلقون عليه أحيانا “شيخ المجاهدين”، على الرغم من أنه حتى لم يكن يؤمن بوجود الله. أنه المناضل الذي قال مرة “إنني أحس على وجهي بألم كل صفعة توجه إلى مظلوم في هذه الدنيا، فأينما وجد الظلم فذاك هو وطني”.          

نشر أولا بجريدة البورصة.