شهد الأسبوعين الماضيين عدة أحداث إعلامية أثارت جدلا وتساؤلا حول مفهموم الحرية في مصر وتطورها بين القفز للأمام أحيانا والعودة للصفر أحيانا أخرى بجرة قلم سياسي. إبراهيم عيسى، عمرو أديب، وعلاء صادق، ذلك إلى جانب قنوات الحافظ، الناس، الصحة والجمال، وخليجية، جميعهم سحبت “فيشاتهم الإعلامية” في تلك الفترة القصيرة بغض النظر عن الأسباب المعلنة أو غير المعلنة.
أما مع نهاية الأسبوع الماضي فقد تقدمت الحكومة خطوة أخرى على طريق سحب الفيشات بعد أن طالب جهاز تنظيم الاتصالات مسؤولى تسع قنوات بضرورة الحصول على موافقة اتحاد الإذاعة والتليفزيون بإبقاء أو تحريك وحدات النقل المباشر المعروفة باسم SNG المملوكة لها. والجدير بالذكر أن مسؤولى القنوات سعوا للحصول على موافقة الاتحاد، فطلب منهم نقل الوحدات إلى مكاتب دائمة بمدينة الإنتاج الإعلامى، كشرط رئيسى للحصول على ترددات من جانب جهاز تنظيم الاتصالات لبث إشارات الإرسال والاستقبال من مصر للعالم أو العكس.
ويتسائل البعض: لماذا الآن تحديدا؟ حيث أن المستثمرين في القنوات الفضائية تحدثوا أكثر من مرة لما يقرب من عشر سنوات عن ضرورة تنظيم الفضائيات وتطوير لوائحها شديدة التخبط والبدائية المرتبطة بقرارات فردية مبنية على لوائح قديمة تخص اتحاد الإذاعة والتليفزيون.
ربما تكون الإجابة بديهية ومرتبطة بالانتخابات القادمة التي يجب أن يتوفر لها نوع من الهدوء الذي تبتغيه الحكومة، وخاصة أن معظم المتأثرين بالسياسة الجديدة هم من أصحاب نزعات الصراخ الهستيري الرافض على طول الخط. لكن ألم تخشى الحكومة من ردة فعل المؤسسات والمنظمات الدولية، المتربصة دائما، على تلك الخطوة الجريئة؟
ربما لا! فعلينا جميعا أن ننظر بتأن ووعي للتغير الذي حدث في العشر سنوات الأخيرة، فقبلها لم يكن لهذا المقال أن يرى النور على تلك الكلمات الناقدة لأداء الحكومة. صحيح أننا مازلنا نسير خطوة للأمام واثنتين للخلف. لكن معظم الأصوات الناقدة لم تتوقف عن الصراخ وخاصة في التقارير الحقوقية التى لم تهدأ وتيرتها الساخطة على الأداء الحكومي على رغم هذا التقدم على مستوى الحريات حتى ولو كان طفيفا أو شكليا. بل على العكس أعطت تلك المساحة الجديدة الجميع الفرصة لرفع الصوت عاليا وزيادة عدد المهللين وكأن المسرح السياسي في مصر أصبح موقفا للميكروباصات، ينادي فيه الكل على وجهته بأعلى صوته دون تنسيق مع الآخر أو التمعن فيما قد تم تحقيقه بالفعل، وما لم يحقق بعد على القائمة ممتدة الطول.
يأتي الصراخ من كل الاتجاهات حتى أصبح عاديا ومألوفا، فالجميع يطل برأسه الغاضب عبر شاشة تليفزيونية أو حتى جريدة. دنت الانتخابات البرلمانية وحساسية الفترة الراهنة لبقاء الحكومة في مركزها المسيطرالغير مرضي عنه من تلك الأصوات، سواء صعدت الحكومة أو هبطت على سلم الحريات. إذا لماذا لا تسحب الفيشة التي تمتلكها وتسيطر عليها، فالجميع يصرخ على أي حال. والجميع نسي أن النايل سات قمر حكومي وأن اتحاد الإذاعة والتليفزيون هو نافذة السلطة على عقول المواطنين واتجاهاتهم. ففعلا عجبا لكل من يصرخ ويصرخ وقد عمي عن أنه مجرد ظاهرة فيزيائية تتبدد بسحبة قاطعة للتيار ممن يملك فيشاتهم جميعا.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.