في تطور لأحداث لعبة انتخابات مجلس الشعب وتحديد مرشحي الحزب الوطني، سؤل أمين الحزب بالدلاب الأحمر حول استخدام صناديق “الشيبسى” فى التصويت، قال إن الأمانة العامة لم تلزمنا بصناديق محددة للتصويت والمطلوب هو أن يكون هناك صندوق مخصص للتصويت دون تحديد نوعه أو شكله، وقد تم ذلك فى حضور مندوبى الأمانة العامة.

هذه كانت إجابة السيد الأمين التي تحمل في مضمونها الكثير من الإشارات الرمزية التي تعبر عن عبثية تلك الانتخابات الداخلية بالحزب كصورة مصغرة لما سيحدث من عبثية أكبر واستخفاف بحقوق الشعب السياسية بصورة موسعة في العرض الانتخابي النهائي الموشك خلال اسابيع.

بورصة عابثة من العرض والطلب للأصوات الانتخابية وخدمات البلطجية تبعا لقدرة المرشح المالية والسياسية وكذلك تبعا لطبيعة الدائرة وسكانها سواء كانوا من الأحياء الراقية أو العشوائيات. الكل له ثمن والكل مستعد لمجاراة اللعبة، والتسعيرة تتفاوت بين كارت شحن أو بضع مئات، وربما أكثر كما تشير بعض الصحف.

وليس بالمال فقط تشترى الأنفس، بل إن التكنولوجيا والرفاهية لها مريديها ايضا من بائعي الأصوات. فقد شهدت كذلك حالات مقايضة كل صوت مقابل لاب توب أو ساعة فاخرة. بالطبع فليس كل بائع لصوته جائع طامع في إطعام أولاده. ففساد الزمم لا يفرق طبقة أو منطقة أو مستوى للدخل. الكل ملوثة يداه.

بل العجيب حقا ممن دفعوا ولم ينفعهم مالهم وسقطوا في قاع كارتونة الشيبسي، أن يتأففوا ويحسوا بالظلم والقهر من أن رشوتهم لم تجلب لهم النجاح ربما لأن أحدهم دفع أكثر. بل قام أحدهم بإرسال رسالة محمول لأعضاء المجمع الانتخابي بدائرة البساتين يقول فيها “حسبى الله ونعم الوكيل فى اللى خد الفلوس وماإدنيش صوته”، وقام آخرون بجعل الأمناء يحلفون على المصحف لكسب أصواتهم. اللهم قوي إيمانهم!

صورة قاتمة وسوداء تنقلها تلك الممارسات من جانبي الحكومة والشعب. ليس فقط فيما يخص الانتخابات المقبلة، فلا توجد أي مفاجآت، لكن الصورة تزداد قتامة عندما يشارك المواطن في إظلامها بفساد ذمته مقابل كارت شحن. أي مستقبل تحمله السنوات القادمة إذا لمثل هذا البلد؟

لقد مللنا من جلد الذات عن طريق مقارنة أنفسنا “بالديمقراطيات الغربية” راسخة الممارسات الدستورية والإجرائية العادلة، فالمقارنة غير عادلة. حاول البعض جلدنا مرة أخرى بمقارنتنا بالأمم الناشئة ربما في حنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية الأحدث منا في تاريخها مع الدستور ودولة المؤسسات. لكن أصواتا تعالت ودعت إلى التوقف عن جلد الذات. حرام!

ما رأيهم لو قارنا أنفسنا بانفسنا، لكن بفارق 90 عاما للوراء؟ ألم تكن هنالك انتخابات حقيقية؟ ألم يكن الفلاح المصري يملك الجرأة والحكمة والوطنية بما يكفي بأن يدفعه بأن يصوت ضد الباشا مالك أرضه الذي يستعبده من أجل اختيار من يمثل مصلحة أمته فوق كل اعتبارات فردية؟ أعتقد حينها جلد الذات لن يكون كافيا، لأننا فشلنا أن نتقدم حتى ولو للخلف.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.