في تطور جديد لسلسلة التحركات المصرية الأخيرة المتوجهة للاستثمار الخارجي في قطاع الزراعة، استقبل الرئيس السودانى عمر البشير الخميس المهندس أمين أباظة وزير الزراعة واستصلاح الأراضى الذى وصل إلى الخرطوم فى وقت سابق على رأس وفد مصرى للمشاركة فى أعمال مؤتمر الأمن الغذائى لدول منظمة المؤتمر الإسلامى المنعقد حاليا بالعاصمة السودانية.
تناول اللقاء استعراض المشروعات الزراعية المصرية فى السودان ومستقبلياتها فى ضوء ما تنوي مصر استثماره خلال المرحلة المقبلة من الدخول فى مشروعات زراعية عملاقة لاستزراع مليوني فدان بمنطقة الجزيرة السودانية خاصة المحاصيل الذرة والقمح والأرز وبنجر السكر. واتفق الجانبان على السماح للشركات المصرية بزراعة أراض فى السودان من دون اللجوء لتكوين شراكات محلية وهو يعد الأول من نوعه بين البلدين.
وهذا الاتفاق الجديد مع السودان سيلزم الجانب المصرى بتوفير وتوريد مستلزمات إنتاج المحصول المحددة زراعته وبكميات كافية من تقاوى وأسمدة ومبيدات وميكنة فى مدة لا تقل عن أسبوعين قبل موسم الزراعة، كما تتيح للجانب المصرى الحصول على قروض زراعية من البنك الرئيسى للتنمية والائتمان الزراعى أو البنك المصرى السودانى.
وفي ظل أزمة الغذاء الآخذة في التصاعد عالميا ومصريا، إضافة إلى أزمة المياه الحالية والتخوف من مستقبلها على هذا القطاع المصيري في الدولة، ناهيك عن النداءات التاريخية العربية بجعل السودان سلة غذاء هذه الأمة المتخبطة، قد يرى البعض أن هذا التوجه المصري يعد خطوة على الطريق الصحيح تلبية لحاجات السوق المحلي التي فشل المنتج المحلي في تغطيتها، وتلبية كذلك لحلم عربي قومي لم تتخد باتجاهه أي خطا فعلية منذ عقود.
لكن ربما هذا التفاؤل أو الرضا لا يعبر سوى عن حاجة ماسة تحتاج إلى التلبية الفورية بغض النظر عما قد تسببه من أضرار مستقبلية على المدى الأوسع في نظرة اقتصادية كلية وشاملة مغايرة لتلك الجزئية المرتبطة بالعرض والطلب فيما يسمى بالسوق الحر، وعملا بمبدأ إحييني النهار ده وموتني بكره.
يبدو بالفعل أن الاستثمار في القطاع الزراعي المصري قد وصل إلى مرحلة من التعقيد أصبح من الصعب التعامل معها. عرقلة في مدخلات الزراعة، شح في المياه، وتخلف تكنولوجي وعلمي واسع على الرغم من توفر العديد من علماء الزراعة المصرريين ذائعي الصيت. بالفعل إنه من الأسهل والأسرع والأرخص أن نزرع بالسودان وفيرة المياه وخصيبة التربة.
لكن علينا ألا نغفل أن كل جنيها يخرج من مصر للاستثمار بالسودان هو اقتطاع مباشر من الكعكة الاقتصادية الوطنية تضاف لنظيرتها السودانية كاستثمار أجنبي مباشر. وكل حبة قمح يتم توريدها لاحقا لمصر ماهي إلا إضافة في توسيع فجوة العجز التجاري المتسعة بالأساس. وكل فدان يزرع بأياد مزارعي السودان العلى كلفة ودخلا من المصريين، يقابله بطالة وفقر بين نظرائهم المصريين وزيادة في مفترشي أرصفة القاهرة المتسولين لأي عمل بعد ان لفظتهم مهنتهم التي أوتهم وحمت أمن بلادهم منذ فجر التاريخ.
ربما يكون الاستثمار الزراعي بصورته المعقدة حاليا مكلفا أكثر على المدى القصير ومن منظور الاقتصاد الجزئي، لكنه من المؤكد أنه لو تم توجيهه بحكمة داخليا متحصنا بمفاهيم التكنولوجيا الحديثة الموفرة للمياه والرافعة لإنتاجية الفدان التي ستعمل على تخفيض الأسعار بدورها، ذلك الاستثمار الذي يجب أن يهتم بمأساة الفلاح المصري الذي نبح صوته شاكيا هوانه وعدم قدرته على إطعام أبنائه، فمن المؤكد أن العائد الشامل بعد فترة ليست بالبعيدة سيكون افضل وأكرم وءأمن لهذا البلد وأهله، لكنها ومع الأسف سياسة التحرير، تحرير كل شيئ ماعدا الإنسان.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.