بابتسامة رقيقة تقول: عايز حاجة يا بابا؟ أنا مروحة عالبيت.
يرد الأب: لا يا حبيبتي ربنا يخليكي.
تحتضن الابنة أباها بخفة وترحل.
لم يكن هذا مشهدا دراميا من أحد المسلسلات المصرية المملة، بل كان واقعا حدث بحرم الجامعة الأمريكية منذ عدة سنوات. كانت طالبة متفوقة بهية الطلة تدرس الفلسفة هناك، دائما تجذب الانتباه بنشاطها الأكاديمي والطلابي. أما الأب فلم يكن متواجدا بالجامعة باي صفة أكاديمية أو إدارية، بل كان عامل نظافة يقارب الستين من عمره يمسك بمقشة ينظف الممر بين ملعبي كرة السلة والتنس. مشهد حقيقي قد يجعل الكثيرين يقعون في عشق تلك الجامعة.
كان هذا هو الحال قديما عندما كانت الجامعة الأمريكية بالقاهرة تحاول جاهدة أن تقدم نموذجا لاحترام الإنسان عامة وحقوق العمال بصفة خاصة. كان مثالا يحتذى به متجسدا في عمالها الذين كان لهم الحق في راتب يكفيهم وأسرهم عن السؤال، كان لهم الحق في نقابة خاصة بهم تحميهم وتدافع عنهم، كان لهم الحق في رعاية صحية محترمة ليس لهم فقط بل لأسرهم أيضا. والأكثر صدمة، على الأقل لنا كمصريين، أنهم كان لهم الحق في تعليم أبنائهم مجانا داخل أسوار أحد أغلى وأفضل جامعات الشرق الأوسط. كان لأبناءهم الحق في الحصول على شهادة جامعية تكلف الآخرين ما قد يقترب من النصف مليون جنيه.
هذا الأب وابنته كانا من المحظوظين إذا. فيبدو أنه من جيل عمال الجامعة القدامى أصحاب عقود العمل المحترمة التي لم يكن عبث بها أحد بعد من ذوي الذمم الكومبو وفلسفة مكدونالدز. فالصورة الآن لا تحمل سوى تناقضا متطرفا لتلك التي سبقتها، وكل ما يدرسه أساتذتها من احترام للبشر داخل قاعاتها الدراسية.
الأمر الذي جعل أكثر من ثلاثة آلاف طالب من الجامعة يضربون عن الدراسة ويعتصمون أمام مبنى الإدارة بالقاهرة الجديدة تضامنا مع مئات عمال النظافة الجدد في مطالبتهم بكرامتهم وبعضا من حقوقهم. فقد وعدتهم الجامعة برفع مرتباتهم بعد تعيينهم، ولكنه لم يحدث. وتتراوح رواتبهم من 450 إلى 600 جنيها ومنهم المتزوج والعائل. ناهيك عن وقوع الحرم الجامعي فى منطقة نائية لا تصل إليها المواصلات العامة ولا تصلح المياه الموجودة به للشرب والانقطاع الدائم للكهرباء مع ارتفاع درجات الحرارة الشديدة وعدم وجود الأطعمة التى تتناسب ومرتباتهم، فوجبة واحدة من تباسكو قد تتعدى الخمسين جنيه. أما الأجازة الأسبوعية فهي يوم واحد فقط، وأحيانا لا يوجد. حتى الرعاية الصحية المتوفرة اساسا بمراكز الجامعة الطبية التي لن تكلفه الكثير فهي محرمة عليهم.
اشتكي العمال وثار الطلاب في مشهد درامي ضد الظلم والتفرقة وخاصة في حالة توفر المقدرة لدى الجامعة الثرية. ارتعبت الإدارة وخاصة عندما شارك الساتذة طلابهم في التمرد، واضطرت إلى التفاوض. وهنا ظهرت الثقافة المصرية التفاوضية على طريقة وزارة القوى العاملة أو بمعنى أدق الفصال على أرصفة اسواق العتبة.
نجحت الإدارة في فض الاعتصام ببعض الفتتات من أشباح مطالب العمال وانفض الاعتصام وعادوا إلى بيوتهم غير مدركين لما حدث. أعادوا التفكير فى الحل الجزئى الذى فرضته عليهم الإدارة متضمنا إضافة 200 جنيه إلى رواتبهم كبديل للوجبة الغذائية، ومنحهم إجازة السبت ليوم واحد فى الشهر، مع تأجيل النظر إلى باقي المطالب الأخرى. لم يعرفوا حقا أيفرحوا حقا بهذا التحسن المريض؟ أم يرفضوا ويغامروا بقوت أولادهم باستمرارهم في المطالبة بالحق؟
ربما يكون هذا “مقبولا” أو معتادا عليه في الشركات والمؤسسات المصرية الأخرى نتيجة للتخلف الواضح والجهل بحقوق العمال، وأحيانا لسباب مالية حقيقية حيث يعاني الجميع من خلل اقتصادي مزمن. أما تلك الجامعة الأمريكانية فليست لها علاقة بكل ذلك. فهي ليسj فقيرة، ولا تعاني من جهل بتلك الحقوق التي تدرسها وكانت تطبقها في الماضي.
إنه إذا ذلك النيل العتيق الذي تربينا عليه وجرت جراسيم صرفه الصحي في أوردتنا. شرب الأمريكان المساكين منه فاصابهم نفس المرض. اللهم اشفنا جميعا وسامح اصدقاءنا الذين شربوا عن جهل من مياه لم تكتب إلا لسوانا.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.