أول أيام عيد الأضحى المبارك بعد الظهيرة، وفي محاولة لرؤية الشوارع الممتلئة ببشر يحاولون البحث عن أي مخرج من قساوة باقي أيام السنة قادتني أرجلي إلى أحد المقاهي التقليدية بحي ليس فقيرا بالضرورة لكنه شعبي بالتأكيد. كان المقهى ممتلئ بخليط من الجالسين ما بين مراهقين وشباب وكبار في السن. تنوعوا كذلك في خلفياتهم الاجتماعية والمادية كما بدا من مظهرهم الخاص بالعيد.
أما المقهى نفسه وكأي من أمثاله فكان لديه تلفازا مكتظا بمئات القنوات الفضائية التي لا تقدم في معظمها سوى أسخف ما أنتجت الحضارة العربية من هلس راقص. أما صاحب المقهى وبشاشته ال إل سي دي الضخمة كان دائما في حالة تركيز حادة لا تخلو من الحيرة لاختيار ما يجب عرضه في مقهاه متنوع الجمهور.
وقع اختياره العبقري على قناة “آيه آر تي سينما” الخليجية التي كانت في منتصف عرضها لفيلم “الغابة” المصري، كعادة تلك القنوات المصرة على عرض الأفلام المسيئة والفاضحة لمصر مرارا وتكرارا حتي في أيام العيد مفسدة نافذة الفرح المؤقتة المتاحة إليهم. وهو عامة فيلم فقير الإنتاج يتسم بالواقعية والجرأة والكثير من الألم، تدور أحداثه حول مجموعة من أولاد الشوارع متفاوتين فى الأعمار تجمعهم إحدى عشوائيات مصر التي تعدت الألف منها، وتتنوع طرق حصولهم على المال بين التنقيب في القمامة والسرقة وتوزيع المخدرات والدعارة.
ويحاول الفيلم رصد ما يدفع هؤلاء لممارسة سلوكيا ت شاذة للحصول على ما يكفي للعيش على هامش المجتمع، حيث يضع المخرج كلا من المجتمع والحكومة في قفص الاتهام فهما المسئولين بشكل مباشر عن تلك الظاهرة التي مازالت تنتشر بشكل كبير.وبصورة مأساوية تبعث على البكاء، تتركز كل الكوارث في أسرة واحدة تجعل المشاهد غير مصدق أو مبال بأن ما يراه يحدث بالفعل في مصر، وهو الحقيقة التي يتجاهلها الجميع حتى الفقراء منهم.
غير ان الغريب هو ردود فعل المشاهدين الصادمة للبديهة الإنسانية السوية، فعلى الرغم من المتابعة المتأنية عالية الاهتمام بأحداث الفيلم المأساوية، لم تكن النتيجة متوقعة. فعلى سبيل المثال أثناء التركيز العالي في متابعة مشهد اغتصاب الأب لابنته، علق أحدهم: والله ماهيورونا حاجة، ولا حتى رجلها. دا فيلم ابن ….. فانفجر الجميع ضاحكا ومقهقها في غبطة مريضة. وفور انتهاء المشهد، تركز الكاميرا على دماء عذرية الفتاة بعد جريمة والدها، فيعلق آخر: ياخسارة المزة، ماعدتش هاتعرف تتجوز. فانفجروا جميعا ضاحكين من جديد.
وفي مشهد النهاية عندما يقتل معظم أفراد الأسرة، وتسرق أعضائهم وقرنيات أعينهم، وبدون تعليق هذه المرة، يضحك الجميع وينهي الفيلم، ويحول صاحب المقهى القناة إلى فيلم كوميدي آخر وكأن شيئا لم يكن، وتستمر الحياة بالمقهى.
ربما بعد تلك الواقعة المؤشرة على معايشتنا لكارثة تعدت حدودها الاقتصادية والاجتماعية إلى مفاهيم علاقة الإنسان بنفسه ورؤيته لذاته وانفعاله مع مآسي الآخرين، ليس في بلد آخر، بل ربما في الشارع المجاور للمقهى. ربما تستحق تلك الواقعة عشرات الكتب لتحليلها، أو ربما كلمة واحدة. من يدري ومن يعلم، بل من يجرؤ. فالكل يعيش في حالة من الإنكار لسقوطه الإنساني، الكل يعيش في عالم مواز ذو بصيرة انتقائية لا تدرك سوى ما يستطاع تحمله بصمت عاجز عن التعليق إلا بكلمات عابثة ضاحكة يتشبث بها المحيطون، أو ربما لأبيات شعر تدور في رأس أحدهم ومشاهد مأساوية من فيلم “باب الشمس” قائلة:
يبكي ويضحك لا حزناً ولا فرحا … كعاشقّ خطّ سطراً في الهوى ومحا
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.