عالمان من البنوك بين هنا وهناك، بين اقتصادات نامية واقتصادات متقدمة، الأولى تحاول جاهدة الخروج من تلك المرحلة لما يليها، والثانية تجني ثمار قوتها بثبات وحفاظ على موقعها. أما في بنوكنا المحترمة فلا تعرف أي قبلة تتبع. فلا هي نامية تمثل جزء من كفاح دولة ما تسعى للنهوض، وبالطبع لا يمكن أن نضعها في كفة الكبار لأنها ببساطة مازالت بعيدة عن التأهل لذلك. لكن الغريب أنها تتصرف كأنها منهم.
ففي بريطانيا على سبيل المثال، يذهب المواطن محدود الدخل لأي بنك تقع عليه عينيه مهما كبر أو صغر، فيستطيع في دقائق محدودة أن يفتح حسابا باسمه وبرصيد صفر دون أي استغراب، لكن الغريب حقا أن يصدر له البنك كارت ATM يستطيع من خلاله سحب أي أموال إن فتح الله عليه يوما ما، بل والأغرب أن يستمر البنك في تجديد الكارت عاما بعد عام ويرسله على عنوان العميل على الرغم صفرية الحساب.
هل فقد الانجليز عقلهم؟ بالطبع لا! فهم ببساطة يحافظون على فرصة أن يكون هذا الحساب فاعلا يوما ما إلى جانب ثقافتهم الاقتصادية البديهية التي تدعوا نظامهم تشجيع كل افراد الشعب على التسجيل البنكي كي تتوفر للدولة الإحصائيات والبيانات التي تساعدهم على اتخاذ القرار الاقتصادي السليم عند الحاجة.
أما في إيطاليا ذات الطبائع الاجتماعية والاقتصادية القريبة الشبه من مثيلتها المصرية في مبدأ الصناعات الصغيرة والحرف وأعمال العائلات ، فقد توجه النظام البنكي لتشجيع كل الأفراد من أصحاب الأنشطة الاقتصادية الصغيرة ومتناهية الصغر على فتح حسابات لدى بنوك القطاعي العام والخاص منذ ما يقرب من عقدين فيما يسمى “بالشركات الشخصية” والتي تتضمن في محتواها أصحاب الحرف التي لا تحتاج أكثر من فرد واحد. وكان ذلك أيضا مجانا. فهل أكل الإيطاليون الكثير من البيتزا فأثرت على قدراتهم العقلية؟ ليس كذلك أيضا. إنه التحول الحتمي من اقتصاد الظل.
ولا ينكر أحدا أن اقتصاد الظل، المسمى أحيانا بالغير رسمي أو الغير مسجل له أهمية كبيرة في إنقاذ الدول عند تعرضها لأزمة كبيرة تضرب اقتصادها الرسمي، لكنه يتسسب في حالة من العمى الاقتصادي تجعل أصحاب القرار كالعميان في بحر عاصف لا يعرفون فيه اتجاه الشاطئ. فلا هم يغرقون ولا هم يصلون لأي بر. فكلما زاد حجم اقتصاد الظل، قلت دقة كل المؤشرات الاقتصادية العلمية وزادت نسبة الخطأ في اتخاذ القرارات إلى أن تصل أحيانا إلى مرحلة “العته”.
ويقدر هذا الجانب الغير مرئي من الاقتصاد المصري بحوالي 52% من الكعكة الاقتصادية قاطبة. أي أنه بصورة ما قد يقهم أن نسبة دقة القرار الاقتصادي أو فرصة فاعليته لا تتعدى 48% إن جاز التعبير.
غير أنه في بنوكنا الحائرة على سلم التنمية بين تحت مجاهد وفوق ثابت لا تجد سوى عبثية بوتيك الملابس النسائية الراغبة في استهداف نوع معين من النساء إما الجميلات أو الثريات. فإن إصاب “مرض الفطنة” أحد الصغار وأدرك أهمية أن يكون له حسابا بنكيا ولو صغيرا حالما بالارتقاء بنفسه بغض النظر عن مساعدة الدولة في التعرف عليه، فلا يجد سوى مقشة بلاستيكية أنيقة تكنسه خارج البنك بلباقة. لباقة جديدة على بنوكنا قد تكون هي الاستفادة الوحيدة من عمليات التطوير وتحرير القطاع البنكي بمصر.
يخبر الشاب الأنيق بهي الطلة بابتسامته الرقيقة الحانية، عفوا لا نستطيع أن نفتح لك حسابا بأقل من خمسة آلاف جنيه، وإن فتحنا لك واحدا وقل في أي لحظة عن هذا الحد خصمنا غرامة من حسابك “عقابا” لك على فعلتك أيها الصعلوك. فيفر المسكين قبل أن يجد نفسه مديونا، لائما نفسه على فكرته الحمقاء أن يحلم بالترقي والتمدن. وهي ممارسة قد لا يخلو منها أي بنك اصابه مرض التحديث والتطوير الذي يمتدحه المسؤولون صباح نهار في كل أبواق الإعلام.
هذا المقال نشر اولاً بجريدة البورصة.