بعد أكثر من عشرين عاما على سقوط جدار برلين يعود إلينا القادة الأوروبيون بتلك السياسة التمييزية والانعزالية التي لم يتوقفوا هم عن انتقادها لعقدين من الزمان. فسياسة الأوروبيون العلوية مازالت كماهي “نحن أولا”. ولكن التساؤل هنا يطرح نفسه عن من هم “نحن”؟ وهل يعرف الأوروبيون الإجابة؟

لم يشفع انبهار شعوب العالم الأخرى الحالمة بأي شكل من أشكال التعاون أو الاتحاد على شاكلة التجربة الأوروبية وعلى رأسهم العرب الأكثر تخبطا، عند الأوروبيون أنفسهم من المضي في تدمير التجربة بأيديهم بعد ما واجهه الاتحاد من أزمات متتابعة، متزامنة ولاحقة للأزمة العالمية. فبين أزمات اليوروزون واليونان وأيرلندا، يقف الأوروبيون متخبطين في قراراتهم الخطيرة التي ربما تعود بهم لعصور التخبط العنصري والاقتصادي التي ملأت معظم صفحات تاريخيهم السياسي والاقتصادي والديني.

فبينما تناقش المنظمات الغير حكومية الأوروبية التي أغلق الكثير منها على أي حال، ما تبقى بالفعل من فكرة الاتحاد الأوروبي بعد تلك الأزمات المتلاحقة وظاهرة عودة الحكومات في وعودها والتزاماتها تجاه شعوبها وضماناتها بالحماية الاجتماعية والصحية وبالتحديد برطانيا التي تعالت بعض الدعوات الأوروبية ضدها بإخراجها من الاتحاد بعد قراراتها الأخيرة بالتخلي عن برامجها الاجتماعية التي ناضل من أجلها أجيال من الناشطين والسياسيين، خرجت حكومة اليونان بقرار يبدو أنه سيدخل حيز التنفيذ قريبا في غياب الانتقاد الرسمي الكافي له.

فقد قررت تلك الدولة المتأزمة اقتصاديا أن تلعب دور البوديجارد على الحدود الشرقية للاتحاد بقرارها بناء جدارا عازلا بينها وبين تركيا بطول 128 ميلا لحماية أوروبا من المهاجرين غير المرغوب فيهم، في حين تصر اليونان على أن هذا هو الحل الوحيد لحماية اضعف حدود الاتحاد كما يطلق عليها البعض.

ويشير وزير الداخلية اليوناني إلى أن بلاده مصرة على المضي في هذا المشروع قائلا “لقد نفذ صبر اليونان!”.

تشبه الصحف البريطانية هذا الجدار بمثيله الأمريكي بين على الحدود الميكسيكية الذي كلف الأمريكان 1.6 مليار دولار لإبقاء المكسيكيين خلفه. بينما وصفت بعض الصحف الأخرى هذا الجدار بأنه نسخة أخرى من جدار برلين سيئ السمعة.

ربما ينجح اليونانيون بجدارهم هذا بالفعل في خفض عدد المهاجرين إلى منطقة اليوروزون بنسبة كبيرة تصل إلى 128 ألف سنويا، لكن المزحة السائدة هنا في لندن تتساءل ماذا لو نجح اليونانيون في مشروعهم الرجعي شريطة أن يبقوا هم خارج الجدار؟

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.