إذا كنت من أصحاب الملايين فلن تجد لنفسك مكانا بها بين المستثميرين أصحاب المليارات، أو ربما تنجح في ان تكون مسأجرا لمحل صغير بأحد مولاتها في شرق لندن. إنها كناري وورف! الصورة المضغوطة من دبي في عالمنا العربي.

تسير في شوارعها فلا تجد منزلا قديما يوحد الله، ولا مطعم أو مقهى على قارعة الطريق له أدنى طابع محلي. فالمباني هناك كلها وكأنها تم تسليمها على المفتاح منذ ساعتين. أبراج أبراج في كل مكان كمتاهة تشق السماء. أو ربما يتخللها من أطرافها منازل عصرية متلاصقة ذات حدائق كانها صناعية وغير ساقطة الأوراق على رغم أننا في وسط فصل الشتاء حيث تصاب أشجار أوروبا في معظمها إن لم تكن جميعها بمرض القراع، فتصيب الناظرين بالكآبة. أما كناري وورف، فهي دائما براقة، دائما مشجرة من بين أبراجها.

يقال عنها أنها أكبر مدينة للأعمال في أوروبا، المدينة التي يجد فيها المستثمر المحلي والدولي كل شيء تحت أطراف أصابعة. تقريبا يوجد بها أفرع لكل بنوك العالم، عدا المصرية منها طبعا. بل إنه من المضحك لا أعرف لماذا أن مبنا مكتوب عليه يالإنجليزية “حبيب بنك”، يتضح للمتمعن بعد قليل أنه بنك سويسري تصادف أن يسمى كذلك.

ولمن ليست له خبرة واسعة في مجال الماركات العالمية كحالي، يهيأ له أن كل ما عرفه العالم من شركات الموضة، والملابس، والمطاعم، والكافيهات اجتمعت من كل حدب وصوب وبأكبر إمكاناتها للتباهي بوجودها بتلك البقعة، بل وإنهم تقريبا يتكررون في كل مول.

تسير في شوارع كناري وورف فتحس بروح الخليج العربي من مظهرية ومبالغة في الإنفاق، فسيارات البورش والفيراري تجوب شوارعها التي تكاد تخلو من المارة، على عكس مولاتها دائما الازدحام بكل الجنسيات، حيث تلتقط أذنك ماهو عربي وهندي وتركي وروسي ثم عربي مرة اخرى وتحديدا خليجي، وربما تسمع أخيرا من يتحدث الإنجليزية بلهجة أبناء البلد فتحس بالاشتياق له على الرغم من أنك أجنبي مثل الآخرين.

صممت المدينة على أنقاض ميناء نهري قديم على ضفاف التيمز العريق، وكان المكان قديما معروفا فقط بانه منطقة الصيانة الملاحية للسفن التجارية وغيرها التي تجوب مياهه القديمة. يقال إن ذلك التصميم وضع لكي يراعي خصوصية تلك المنطقة وتاريخها الملاحي، ربما! لكنه من العسير عن العين الباحثة والمدققة أن ترى أي من ذلك.

فالمرافئ القديمة الصغيرة المتداخلة مع تخطيط المدينة التي تم إعادة تصميمها لتتلائم مع “روح العصر”، لا ترى فيها سوى حمامات سباحة كبيرة نسبيا سمح لبعض المراكب أن تكون حبيسة بها كلوحة جدارية صناعية صعدت روحها إلى بارئها. بل إن أصحاب تلك المراكب ليسوا من العاملين بهذا المجال على الإطلاق، لقد تبين أنهم من أصحاب الملايين الذين أصابهم الهوس برفض الحياة الطبيعية فكونوا مجتمعات مغلقة داخل تلك الأحواض المائية، ينضم إليهم فقط من يستطيع أن يشتري تلك القوارب غاليا الثمن متخذا إياها بيتا له.

أما إذا كنت من معشر المسلمين المحافظين على صلواتهم، فلا توجد مشكلة، فكناري وورف على صغر حجمها كمدينة تقطع شرقها وغربها في خمس دقائق، بها ستة مساجد. تستمع فيها غلى خطبة الجمعة بالإنجليزية من إمام ظلمه من وضعه في تلك المكانة الحساسة. ينسى الآيات التي يؤم الناس بها في الصلاة، فلا يذكره أحد فيقفز لآية أخرى. والكل لا يعرف شيئا.

ربما تبدو كناري وورف في كثير من صفاتها كدبي متعددة الجنسيات كثيرة الهنود فائقة الثراء الفاحش والعنجهية، لكن الصفة تتأكد عندما تعرف أن نلك المدينة الاستثمارية الأكبر في أوروبا وربما في العالم هي في معظمها من استثمارات وإنشاءات الأمير الوليد بن طلال.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.