هم من يدعون التطور والحضارة وحقوق الإنسان والعدالة وكل مكتسبات عالم الاقتصاد الحر، أما نحن، فايضا ندعي نفس المكتسبات رافعين الرأس شامخة كنخلة عربية في قصيدة عنترية. هم تخلوا عن علاقة الفرد بمحيطه من البشر ودائرته الاجتماعية وحولوه غلى خلية أحادية تتلقى الحماية والرعاية من النظام الرسمي، نحن أبينا أن نفعل ذلك، كلا وحاشا، فألبسنا أنفسنا ثوبا بهلوانيا مرقعا يجمع كل ألوان الطيف التي كانت دائما تفصل بين “هم” و”نحن”.
فاخذنا من رأسمالية هم ما يجعل الإنسان مربوطا من عنقه في ساقية العمل الخاص وآليات السوق العمياء التي تحول الإنسان الذي خلقه الله وكرمه فوق باقي المخلوقات، إلى مجرد رقم إحصائي. هم يعرفون ذلك فعوضوه بقوانين ونظم تكفل له الحياة الكريمة من أول عدد ساعات العمل المقبول، مرورا بحد أدنا يدفئ الفرد في برد حضارة الغرب، وانتهاء بنظام صحي شامل ودوري وطارئ. أما نحن فتركنا لهم كل تلك الترهات، وألقيناها في نفس البالوعة التي تلقت من قبل باقي القيم والحقوق وما يميز البشر عن غيرهم من باقي الدواب. فقط استوردنا من هم الساقية وأضفناها إلى طرف سلسلة أنيقة تربط في عنق المواطن إن رفض أن يلبسها طوعا وباختياره.
أما رؤوف فهو شاب في أوائل الثلاثينات من عمره. علمه أبوه الباشمهندس حسن قبل أن يرحل عن عالمنا البهلواني الراقص على السلالم أن العمل عبادة، وأن من يحترم الناس ويعامل ضميره لا يلقى غير ذلك في المقابل. لم يخطئ الرجل الحكيم، لكن الله رحمه واختاره إلى جواره قبل أن يرى بأم عينه.
تخرج رؤوف من كلية التجارة، ولم يجد فرصة في نفس السينايو المتكرر آلاف بل ملايين المرات حتى سئمناه وكتبنا عليه نكاتا كعادتنا في معايشة المر والرضا به. لم ينس حكمة أبيه وجاهد وحاول وعلم نفسه حتى أصبح متخصصا في الشبكات، فتلقته ساقية السوق الحر، من سلسلة مطاعم إلى أخرى. فعمله هو عصب حياة هذا العالم الدخيل على مجتمعاتنا.
لكنه كان دائما الوحيد حاملا تلك المسؤولية على عنقه، والوحيد المدير لشبكة السلسلة ذات الملايين، والتي لا تتوانى عن توفير كل جنيه على حساب أي شيء حتى الإنسان نفسه. ولكن رؤوف كان راضيا ومجتهدا على رغم راتبه الغير مميز، فهو متزوج وله طفل وآخر بالطريق لهذه الدنيا بإذنه تعالى. هو لم يتبتر على ما قسمه الله له، هو لم يشا أن يقطع رزقه بيده ويتوقف عن سداد ديون زواجه ومسؤولية أسرته. هو لم يشأ أن يضيع حلمه وحلم الباشمهندس حسن وأمه الطيبة بأن يكون مواطنا صالحا ومجتهدا ومشاركا في المجتمع.
فكان رؤوف يجوب القاهرة ويقطعها بين أفرع السلاسل حلا لمشكلة هنا وأخرى هناك. لم يكن لديه سيارة، فكان مترو الأنفاق والنقل العام والميكروباصات هى قنوات حفاظه على عمله والإبقاء على الساقية راضية عنه.
لم يكن يعمل في مواعيد محددة كتلك التي يتحدثون عنها في الغرب الذي استوردنا منه نفس السلسلة وساقيتها، لم تكن تأتي الساعة الخامسة فيعرف أنه قد آن الوقت لوجبة عائلية في دفء البيت مع زوجته وابنه. لم تكن تأتي الجمعة فيعرف أنه يومه مع أمه.
لم يكن مؤمن عليه صحيا فيطمئن قلبه أن إذا أصابه اعتلال عرف طريقه إلى تلك المظلة التأمينية المهترئة المريضة في حد ذاتها. لم يعلمه أحد أو يعطيه الحق بأن يطمئن على صحته كل ستة اشهر بصورة دورية كما يفعل المربوطون الآخرون في ساقية حضارة هم.
لم ينشئ له سادة حضارة نحن نقابة حقيقية وفاعلة تدافع عنه وعن حقوقه وتوعيه بأنه بشر، بأنه إنسان وله حدود جسدية لا يستطيع ان يتخطاها… سقط رؤوف!
سقط رؤوف صحيح البدن التائه بين حضارة هم ونحن، سقط ولم تنقذه المظلة، فلم يكن بها غرفة للعناية المركزة لمعالجة ضغطه الذي ارتفع مع ارتفاع وتيرة العمل، فلربما سقطت هي الأخرى على السلم بين الحضارتين من بين تقوبها المليونية.
اختار الله رؤوف إلى جوار الباشمهندس رحمة بهم وبقيمهم وحسن نواياهم، اختاره الله رأفة به من ثقوب الدولة البهلوانية راقصة المسرح العبثي فاقد الهوية.
فارقنا رؤوف على غفلة منا! فارقنا ولم يتوقف المترو احتراما لذكراه ومروره آلاف المرات على قضبان خط حلوان المرج التي اصبح هو جزءا من تاريخه. رحل ولم يتوقف صبي الميكروباص عن المناداة بصوته القبيح “مسكن… مسكن” مختزلا المنطقة كان يعيش بها بحزف كلمة ألف من إسمها وكأنها لا تساوي أكثر من ذلك.
ربما لم تتوقف الحياة فرؤوف في مشواره كان مثله مثل ملايين آخرين يسقطون ولا نحس بهم، ربما كل يوم ونحن لا ندري. يحزن المقربون قليلا أوكثيرا، وتعود الحياة كما كانت بين المترو عديم الذاكرة والميكروباص بصوت صبيه القبيح.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.