الله أكبر ولله الحمد، عاش الهلال مع الصليب، يسقط يسقط الاستعمار، ويا عزيز يا عزيز كبة تاخد الانجليز، وأخيرا الشعب يريد إسقاط النظام. أراد الشعب، وقد كان. كلها شعارات حفرت في على مر الثورات في وجدان كتبة التاريخ بماء ذهب على صخرة ذاكرة الأمة. فهل ذكر التاريخ تفاصيل ما بعد الثورات بنفس الزخم؟

لا، لم يحدث! فالمنتصر في الثورة لا يختلف كثيرا عن المنصر في الحروب، هو من يحتكر كتابة التاريخ، هو نفس من تعميه زهوة الفخر من أن يرى الحقائق ويستعد للتحديات. فهل نحن مستعدون لما بعد هذا الحدث التاريخي؟

ربما نعم، نرجو من الله! والتفاؤل هنا يأتي من نقطة مهمة تميز تلك الثورة عما سبقها من كل الثورات الأخرى بداية من الحركة العرابية عام 1881، الفرق يتجسد في كونها جاءت خالصة من الشعب، لم يقودها ولم يدعمها العسكر، لم يكن فيها أي عرابي أو سعد زغلول جديد، ولا حتى عبد الناصر، هي ثورة ليست ضد أي محتل. هي هبة مليونية لامركزية لشعب فضل الموت في ميدان التحرير تحت الأعيرة المطاطية والحية وزجاجات المولوتوف من أجل حق واحد، من أجل الحرية. وهو ما في مجمله يجعل تلك الثورة فعلا مختلفة.

ربما لا يعطي ذلك أي ضمانة لعدم انحرافها عن المسار الصحيح الذي تسير فيه حتى الآن، لكن الظروف المحيطة تشير على أنها أحد الثورات التي تولد فيها الشعوب من جديد على مهد تصنعه بأيديها أركانه “عيش، حرية” كرامة إنسانية”،وسلاحه صمود سلمي يعرف الفرق بوعي ونضج بين سقوط النظام وعمليات المكياج السياسية التي حاول مبارك تسويقها عبثا في خطاباته الثلاثة.

غير أن كل هذا لا يكفي لتلك المرحلة الراهنة، لايكفي لرعاية وليد الثورة الحر في مهده غير ثابت الأركان بعد.

من المؤكد أن مئات الأفكار الصائبة من بين آلاف من الفاشلة منها سيتم كتابتها ومناقشتها وتحليلها والتنظير بل والصراع حولها في سبيل دعم مكتسبات الثورة والحفاظ عليها. لكن الأكثر تأكيدا أن مصر الآن في أمس الحاجة لكل من يستطيع أن يدلي بدلوه العلمي كلسان للخبرة في هذا الظرف الحرج، من أجل تثبيت وتفعيل تلك المكتسبات على كافة الأصعدة. فمصر مليئة بالكفاءات العلمية والفكرية التي وجدت مكانا في مكتبات ومختبرات العالم. وبغض النظر عن سذاجة القول، ألم نكن نفخر قبل الثورة بأن 800 ألف عالم مصري يعيشون في الخارج رافعين هامة مصر عاليا؟ إن كان الرقم صحيحا، يكفي الدولة الوليدة أن تعرف جيدا كيف ستتعامل مع ١٪ من هؤلاء وكيف ستستفيد منهم، بل ومن الكوادر والخبرات الأخرى بالخارج والمقدرة بالملايين. فقد جاء الوقت الذي تهتم فيه الدولة بالعلم والعلماء وأصحاب الفكر والخبرات، جنبا إلى جنب مع البسطاء ومن قامت الثورة في الأساس من أجلهم.

على من يقود، أو من سيقود تلك المرحلة أن يعود إلى الكتب ويحاول إعادة ما يسميه العالم “المتقدم” بالرأسمال البشري. فالهند على سبيل المثال وفي ظل تعقيداتها السياسية والاجتماعية والدينية ودرجات الفقر المدقع الغارقة فيها حتى أواخر الثمانينات، تحولت وبسرعة الصاروخ إلى أحد محركات العالم الاقتصادى عالي التقنية. وقد كانت وصفتهم بسيطة مبنية على أمرين.

الأول تمثل في عدم قدرتهم المالية في الإنفاق على برنامج تعليمي إصلاحي شامل من الحضانة وحتى الجامعة كما تدعو البديهة والمنطق، الأمر الذي يحتاج إلى الانتظار لمدة جيلا كاملا. بل استثمرت فقط في التعليم الجامعي وبقوة. فقط لفترة وجيزة، كان الرهان على أن يكون مردودها الاقتصادي قادر على أن ينفق ذاتيا على برنامج لاحق ومواز على التعليم الأولي.

والثاني تمثل فيما سماه البعض “النداء الوطني”، نداء لكل علماء وكفاءات الوطن بالخارج أن يعودوا لمد يد العون لبلادهم. نداء على رغم نبرته الدرامية، إلى أنه لم يخلو من البراجماتية في تفصيلاته العملية لحثهم فعلا على العودة برواتب لا تقل عما كانوا يتقاضونه في الغرب. نداء وفر لهم آذانا صاغية تحتضن أفكارهم وإبداعاتهم، ووعدتهم وعد صدق ألا تجعلها حبيسة الأدراج.

هكذا قفزت الهند في بضع سنوات على رغم كل التحديات. فهل لنا بقفزة موازية في لحظة تخلصت فيها مصر من أصعب أثقالها؟

نشر أولا بجريدة البورصة.