«لقد قرر أن يحرق البلد، إنها فعلا حرب شوارع»، هذا هو ما قاله أحد رجال الأعمال الغير محسوبين على النظام يوم الثلاثاء بعيد اندلاع المواجهات الدامية بين المتظاهرين في ميدان التحرير الذين فوجئوا ببلطجية النظام المصري ورجال الشرطة متخفين بصورة فاشلة في لباس مدني لم يستر عوراتهم الأمنية. تلك المظاهرات السلمية التي تخطت الثمانية مليون مصري من شباب الأمة الواعي الذي التزم بكل أشكال التحضر كما أظهرت شاشات العالم، قوبلت بعد خطاب عاطفي استخفافي من مبارك بموجة من الاعتداء المدروس من عناصر الأمن المتخفية وبلطجية النظام والحزب الحاكم ورجال أعماله المرعوبين من سقوط النظام.
اعتداء شمل في أدواته السيوف والجنازير وزجاجات المولوتوف الحارقة إضافة إلى بعض القنابل المسيلة للدموع، والتي تعد دليلا على تورط نظام مبارك في مذبحة ضد شعبه. والمضحك في هذه المأساة الكونية أن هؤلاء الخونة من الدهماء نسوا أن يتخلصوا من هويات تحقيق شخصيتهم كرجال أمن كما تبين للمتظاهرين كلما نجحوا في الإيقاع بأحدهم. والتفاصيل تملأ الفضاء الإعلامي بكل اللغات لمن لم يرى، أو لمن لا يريد أن يرى.
غير أن ردود الفعل بين القطاعات المختلفة للمجتمع، المدنية منها أو المحسوبة على النظام من شرطة أو بلطجية أو جيش، أو حتى غيرها كصفوة السياسيين المعارضين والمؤيدين والراقصين على الحبال هنا وهناك، تثير في حد ذاتها نوعا من التساؤل والحيرة سواء في تشابهها أو تباينها. ناهيك عن ردود فعل الحكومات الغربية الداعمة للأنظمة الدكتاتورية العربية على اختلاف استراتيجياتها
الشرطة
ذلك الجهاز المفترض أن يكون هدفه الأساسي حماية أمن المواطن، هو من قام بقهره وذبحه على أرصفة ميدان التحرير وشوارع الأسكندرية والسويس. ربما يفهم من تلك الاستماتة في حماية النظام هو التساؤل الذي يحملونه في أذهانهم عن مصيرهم إذا سقط مبارك ونظامه القمعي، وحلت محله حكومة ديمقراطية وحرة ليست في حاجة إلى خدماتهم “الجليلة”. بل وعلى الحكومة الجديدة أن تتعامل مع تحد يفوق أعتى الحكومات، ألا وهو كيف ستتصرف في قوة تقارب 1.2 مليون من أفراد الشرطة على اختلاف أنواعها الرسمية وغير الرسمية؟ وهو رقم يقارب ثلاثة أمثال قوات الجيش المصري في حد ذاته. كيف ستحاكمهم؟ أي سجون ستسعهم؟ وكيف سيتم إدماجهم في المجتمع بعد ذلك في حين أنهم مجموعة من المرضى بالسادية، الجسدي منها والنفسي؟ سؤال رغم صعوبته يوضح سلوكهم الشيطاني ليس بين الجمعة والثلاثاء فقط، بل وعلى مر العقود السابقة.
البلطجية
لا يخلو بلد ولا عصر من وجود الفقراء التي يسخر القادة هوانهم في خدمة مصالح نظام الحكم على اختلاف الثقافات وتقدم الأمم أو تأخرها. وقد نجح جهاز الشرطة في معركته للبقاء في توظيف تلك الطبقة التقليدية التي تتعاظم كلما تعاظم الظلم والفقر.
وبما أن نظام مبارك ساقط ساقط لا محالة كما تشير تطورات الأحداث، عليهم أن يسألوا أنفسهم الآن من سيعطيعم 500 جنيه أخرى للنزول إلى الشارع لترويع وسرقة المواطنين؟ وهذا بمنطق العقل إن كان لديهم منه شيء. أما بمنطق الإنسان كمخلوق اجتماعي، كيف سيتقون شر غضب كل من طالته سيوفهم وأيديهم وزجاجاتهم الحارقة الرخيصة. عليهم إذا أن يتدبروا أمرهم جيدا من الآن.
رموز المعارضة
من المؤكد أن تلك الثورة ولدت من رحم شباب هذا المجتمع الذي لم ير غير مبارك رئيسا لجمهوملكيتهم الديكتاتورية. شباب واع وواعد قرأ وتعلم وتخطى حاجز الأمية الذي تقدمه الجامعة المصرية التي تقيدها بلادة النظام. وكلهم وجوه صغيرة وجديدة من كافة أطياف المجتمع على ألوانه السياسية والدينية. أما المثير للاهتمام هو الفارق بين حديث هؤلاء الشباب المستنير القادر على تقديم نفسه إعلاميا بصورة مبهرة، وحديث رموز المعارضة القديمة ومع كل الاحترام لتواريخ نضال بعضهم، وإصرارهم على الظهور أو الاستظهار على شاشات التليفزيون قفزا على أكتاف شباب ثورة التحرير.
وهم فعلا غير قادرين بأجنداتهم منخفضة السقف أن يجاروهم في طموحهم التحرري ولا حتى تكتيكاتهم الإليكترونية أوالميدانية على حد سواء. سارعوا وبعد اندلاع الثورة في المشاركة بأي شيء ولو حتى بالوقوف متبركين بجوار ميدان التحرير في ظل شجرة أو حائط يقيهم شر الأمن وبلطجيته. وعندما تسمعهم يتحدثون في تلك القنوات مساء تجدهم يدعون الإنهاك من تعب نضال يوم طويل، مستمتعين بوجبة دافئة بمنزل الأسرة تاركين المناضلين الحقيقيين وراءهم في وجه الطواغيت. الأمر الذي تعودت عليه كل الثورات منذ أن عرفها التاريخ.
أنصاف المتعلمين
ألقى مبارك خطابه العاطفي ليل الإثنين بلغة لم تزد المعتصمين بميدان التحرير وشوارع مصر الأخرى سوى غضبا على غضب، وذلك لتجاهله الحد الأدنى من سقف متطلباتهم المشروعة، والاستخفاف بعقولهم بلغة حفرية عتيقة لا تليق سوى بدولة عسكر الخمسينات المفترضة لغباء المتلقين. أنكر عليهم حقوقهم المشروعة بالحرية والديمقراطية في مسرحية كلامية سخيفة، بل واتهمهم بالسرقة والتخريب وإشاعة الفوضى.
عبر مبارك عن ذلك بلغة ناعمة مناقضة لكبريائه المعهود مستجدية لطيبة الشعب البسيط، في صورة لم يعتد عليها أحد. الأمر الذي دفع ببعضهم من أنصاف المتعلمين بالانقسام على الثورة بجهلهم وسطحيتهم منادين بالتوقف عن التظاهر من أجل “إنقاذ البلد” كما يتوهمون. وهم لم يسألوا أنفسهم، أو ربما لم يريدوا، ألم يكن خطاب مبارك سوى مجموعة من الأكاذيب وتزييف للحقائق؟ ألم يروا كيف ادعى أنه لمدة ثلاثين عاما في السلطة “أبدا لم يطلبها”؟ أليس عندهم أدنى عقل يرشدهم بأن تلك الأشهرالمزعومة السابقة للانتخابات الرئاسية لن تكون سوى تصفية حساب لمعارضيه الشباب الذين أهانوه، وأي إهانة على شاشات العالم بكل لغاته؟ هل يعتقد هؤلاء المنسحبون أنهم في مأمن من بطشه؟
الحكومات الغربية
مابين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي يأتي الخذلان لأبسط مفاهيم العدل وحقوق الإنسان في أجلى صوره، وهو ليس بالمستغرب. فما تنادي به تلك الحكومات من قيم وشعارات يبدو أنها حكرا على شعوبهم، حرام على باقي البشر.
فالولايات المتحدة، الأم الحانية على إسرائيل والمستنزفة لثروات الشرق الأوسط، والممول الرئيسي للنظام المصري الباقي في السلطة قاهرا لشعبه، سقطت بين الأمرين. الأول أخلاقي سيفضحها أمام شعبها الدافع لضرائب تستغلها حكومته لتمويل نظام دكتاتوري ظالم، والثاني استراتيجي سيقطع أحد أهم أذرعها في السيطرة على المنطقة.
أما الاتحاد الأوروبي ودوله التي استعمرت العالم العربي لما يتعدى القرن أحيانا، والتي لا تحس بأي نوع من الحرج في ذكر ذلك، فقد استبدلت هذا النموذج الكلاسيكي بآخر أبسط يسمي ببرامج الشراكة الأوروبية، والتي تسمح لهم باستنزاف الموارد والعمالة واقتصادات تلك الدول وعلى رأسها مصر من خلال امتيازات تعطى لدولهم بدون وجه حق، وكأنها مكافئة لهم على احتلالهم الغابر.
ومجمل القول أن تلك الحكومات الغربية المسكينة، وقعت في مأزق متسارع الأحداث بنبض حركة شبابية تجعلهم يبدون كالسكارى مترنحين ومتباطئين حتى في اتخاذ قرار واضح بالإدانة لتلك المذابح والقمع المتواصل للمواطنين، في إشارات متأخرة وغير مباشرة لمبارك بعمل شيئ ما من أجل الديمقراطية، والتوقف عن إحراجهم أمام شعوبهم.
الجيش المصري
القوات المسلحة تقف بين نظام فقد شرعيته، وثورة تملك أرض المعركة بلا منازع. وفيما يسمونه بالحيادية يقف الجيش بين الطرفين بعد انسحاب الشرطة المفاجئ من أجل إحداث الفوضى، ثم العودة المباغتة بقوات البلطجية، في سيناريو خبيث لأول أيام مبارك بعد وعده بدعم التحول الديمقراطي للبلاد، في صفعة مدوية ومهينة لكل من صدقوه من أنصاف المثقفين والمنسحبين.
ولمن يعول على الجيش في التدخل لصالح الشعب وشباب ثورة التغيير، وحماية الدولة من السقوط في غياهب الفوضى، عليهم أن يعرفوا أن الأمر ليس بهذه البساطة.
فمعظم قيادات الجيش العليا تدعم مبارك ونظامه القمعي بغض الطرف، بعد أن تم تطويعهم وكسبهم بما يسمى ببدلات الولاء، والتي تجعل القيادات العليا تلك تتحصل على دخول شهرية تقدر بعشرات الآلاف بل وقد تتعدى ذلك، إضافة إلى الكثير من الامتيازات الرسمية والمعاشية والأسرية. أما من يخرج منهم على المعاش، فيجد وظيفة محترمة في انتظاره كرئيس لهيئة بميناء بحري أو مطار أو إحدى شركات البترول. فكيف الانقلاب على كل تلك البحبوحة من أجل دعم شيئ إسمه “الشعب”.
أما مبارك في حد ذاته، فقد أخرج نفسه من دائرة العقل والمنطق عندما أصر على قطع أذنيه بيديه رافضا الاستماع لمطالب الشارع جلية الصوت الذي أصم أسماع العالم، وليس مصر فقط. هو إذا كما قيل مؤخرا عنه، لن يخرج قبل أن تحترق البلاد، وكأنه نيرون الذي عاقب شعبه بحرق روما. فهل من عاقل في هذا العالم يدفع مبارك للرحيل قبل أن تحترق القاهرة؟
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.