زميلي العزيز الذي لا أستطيع كشف اسمه احتراما لخصوصيته،
بعد التحية،
أكتب رسالتي تلك عقب مقابلتنا اليوم بعد طول غياب في رحلتك العلاجية بالخارج، بعد إصابة إحدى عينيك برصاصة خرطوش حقيرة صوبت من قلب عفن إلى وجهك المضيئ. أكتب تلك الرسالة وأتمنى ألا تقرأها، أو عفوا ألا يقرأها لك أحد. فأنا تقريبا أكتبها لذاتي قبل القراء هنا، كي لا أنسى من أنا ومن أنت، ماذا قدمت أنا، وأي ثمن دفعته أنت.
نعم حزنت كثيرا لسماع ذاك الخبر المشؤوم بإصابتك، لكن صوتك المنتشي لسقوط رأس الظلم، وقولك لي على الهاتف ليلة الحادي عشر من فبراير “عيني فدا مصر، دي حاجة بسيطة”، وكذلك فرحتي العارمة بسقوط هذا الطاغية، كلاهما أنسياني أو ربما ضللاني عن حقيقة الأمر. عن حقيقة أنها لم تكن عين واحدة فقط.
زميلي العزيز،
كم كنت سعيدا منتشيا اليوم في طريقي إلى ذاك المقهى لرؤيتك وباقي زملادنا الصحفيين، كم كنت حقا سعيدا لرؤية ذلك البطل الذي يصغرني سنا بعشرة أعوام، ويكبرني قدرا بسنوات لا يمكن حسبانها. ذلك النحيل القد حديث العهد بالصحافة الذي كان منذ شهور فقط يعتبرني عبثا أحد مصادر تطوره في المهنة، والذي أصبح الآن أكثر من معلم لي ودليل على طريق الكرامة.
أستاذي، نعم كنت حزينا لمصاب عينك كما أخبرتني في حديثنا على الهاتف، غير أنني كنت هادئا لهدوئك، وراض لرضاك بقدر الله وشكرك له بفرحة النصر. لكنني كنت الوحيد الذي يجهل حقيقة أنك ضللتني بحديثك الساخر العابث عن تلك العين الواحدة، والله لم أكن أعرف أنهما الاثنتان. حقا لا أستطيع أن افهم مكالمتك ذات الليلة. لا أفهم أفهم من أين لك بهذه القوة وتلك الروح العابثة الساخرة بعد مصابك الكبير هذا. وكيف لك أن تصر على طمأنتنا جميعا من حولك أنك بخير. حقيقة، لا أفهم هنا من يجب أن يطمئن من.
يا زميلي العزيز،
لقد دفعت فعلا بفقدان بصرك هذا ثمنا غاليا نفضت به تراب الذل عن رؤوسنا، نحن التائهين في حروب الكلمات والعنتريات الواهية. ولمصابك هذا ياصديقي أعدك بأنني لن أترك ثورتنا تسرق منا في زفة عرس زائفة قبل تمام النصر. أعدك ألا أرحل قبل أن يذهب كل من شارك في سرقة نور عينيك، غير مأسوف عليهم، إلى أحقر ما قد بنوا لنا من زنازين. لن أرحل وأترك هذا الميدان الذي أنارت منه عيناك ضمائرنا وأذاقتنا أول ثمار الحرية.
من زميلك الذي أصبح تلميذك،
ماهر حمود
القاهرة، أبريل 2011
ملحوظة للقراء: الزميل المذكور في هذه الرسالة حقيقي، وقصة إصابته في ميدان التحرير بنيران الشرطة أثناء تغطيته الثورة، حقيقية، وخداعه لي بإخفائه حقيقة فقدانه لكلتا عينيه، وليس لعين واحدة ككثير من المتظاهرين، ليست من صناعة خيالي.
هذا المقال نشر أولاً بالعربية في ساوث بوش.