ما يحدث الآن على الساحة ما هو إلا حالة من الشيزوفرينيا السياسية التي أصابت المتعاملين معها من صناع القرار كالمجلس العسكري، أو أصحاب الأبواق الداعية لما يسمى بالاستقرار وجملتهم الشهيرة “عايزين العجلة تمشي بقي”، وكأنهم لم يدركوا أن تلك العجلة قد اهترأ إطارها ثقوبا وأكلها الصدأ.

فالمجلس العسكري الذي أتم نجاح الثورة، وحقن المزيد من دماء الشهداء، يتعامل وبصورة غير مفهومة مع مطالب الثورة الشرعية بمنطق التقطير القسري كلما على صوت الشعب وكلما أوشك الثوار على العودة إلى مليونيات التحرير من أجل إتمام ما بدأوه، بصورة تشبه إلى حد ما، ما كان بحدث من قبل النظام الساقط من إلقاء الفتات كلما ضاقت حلقة الضغط على الحكومة.

والتساؤلات التي تفرض نفسها هنا تحتاج لكثير من الإجابات الشافية. لماذا تأخر الجيش في منع سرور وعزمي والشريف من السفر والتحقيق معهم؟ ألم يكن متأكدا أن إرادة الشعب لن تتنازل عن هذا المطلب؟ أليس واثقا حتى الآن أن الشعب لن يترك دم الشهداء يضيع هباء دون تحقيق كل المطالب المتبقية؟ ولماذا يخشى الجيش من مليونيات التحرير ويسعى جاهدا إلى إفشالها بقرارات دائما شديدة التأخر؟ ألا يعتقد الجيش أن الإسراع في تحقيق تلك المطالب المشروعة ماهو إلا أقصر وأسرع طريق للاستقرار الذي تنادي به بياناته المتعاقبة؟ أم أن الجيش يعيش في عالم مواز لا يعرف أن القرار فيه للشارع صاحب الشرعية الحقيقية مهما ضيعنا من وقت؟

وعلى ذكر الاستقرار نعود لأصحاب “شعار العجلة”. فمن الغريب حقا أن يعتقد هؤلاء أن الاكتفاء بمكتسبات الثورة المتحققة حتى الآن هو من الحكمة في شيء. وكأنهم يختارون طريقا طويلا من الصراع للعودة للحالة الاقتصادية التي سبقت الثورة بتلك العجلة الغير صالحة للسير من الأساس، في حين أن المكتسبات التي يمكن جنيها بعد إتمام مطالب الثورة يمكن أن تفوق بكثير ما لا تراه أعينهم التي لا تتخطى شاشات البورصة على مكاتبهم.

ألا يفهمون أن روافدا من العائدات قد تكون في طريقها لنفع هذا البلد المنهوب والمهدر الثروات؟ أليسوا على علم اليقين أن عدة ملفات فساد لا تتعدى أصابع اليد الواحدة قادرة على أن تعم عليهم وعلى باقي الشعب المهمش اقتصاديا بما لم يحلموا به قبل شهرين؟ صفقات تصدير الغاز المشبوهة، عودة الأموال المنهوبة من الخارج والتي ثبت أنه من الممكن أن تتحقق بالمليارات، قائمة ثروات مصر المعدنية التي يعرفها الكبار وأخفيت عن أصحابها من الشعب ابتداء من الأحجار الكريمة وانتهاء برمل السليكا الأجود في العالم وبكميات هائلة، وغيرها الكثير.

أي استقرار ينشدون وأي فائدة يبغون وكل تلك الملفات والمطالب لم تتحقق؟ وأي نوع من المكتسبات يستهدفها المجلس العسكري وأصحاب العجلة من تعطيل إتمام نجاح الثورة؟

علينا أن ندرك أنه لا مفر من تحسس أرض الواقع السياسي الحالي، والخروج من حالة الفصام السياسي السائدة في مطبخ صنع القرار الحالي. فجمعة إنقاذ الثورة برهنت مرة أخرى أنه لا عودة عن كل مطالب الشارع، التي في بساطتها تثبت أنها الأكثر فهما لما يمكن تحقيقه من إنجازات.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.